| تعداد نشریات | 44 |
| تعداد شمارهها | 1,859 |
| تعداد مقالات | 15,055 |
| تعداد مشاهده مقاله | 42,278,654 |
| تعداد دریافت فایل اصل مقاله | 16,764,169 |
التماسك النصي في الخطبة المونقة للإمام علي () من خلال الإحالة الضمیریة دراسة نصیة | ||
| بحوث في اللغة العربية | ||
| دوره 18، شماره 34، تیر 2026، صفحه 107-124 اصل مقاله (671.38 K) | ||
| نوع مقاله: المقالة البحثیة | ||
| شناسه دیجیتال (DOI): 10.22108/rall.2025.144176.1566 | ||
| نویسنده | ||
| ;کبری خسروي* | ||
| أستاذة مساعدة في قسم اللغة العربیة وآدابها بجامعة لرستان، خرم آباد، إيران | ||
| چکیده | ||
| نظرية التماسك النصي، باعتبارها أحد مباحث علم اللغة الوظیفي، تهدف إلى دراسة العوامل التي تربط عناصر النص بعضها بالبعض. تُعدّ الإحالة من أهم وسائل التماسك النصي التي لها دور بارز في ربط أجزاء النص وجعله متماسكا. ومن بين مختلف الإحالات، تمثل الضمائر أبرز مظاهرها، بل أكثرها قدرة علی صنع التماسك والحبك النصي شكلا ودلالة. ویُقصد بها الاقتصاد في اللغة وربط اللاحق بالسابق والعكس. تحاول هذه الورقة البحثیة من خلال المنهج الوصفي ـ التحلیلي، دراسة الإحالة الضمیریة في الخطبة المونقة (الخالیة من الألف)، للإمام علي (8). وقد شكلت الإحالة الضمیریة من نص الخطبة نسیجا تعبیریا مترابطا ربطا دقیقا محكما. وقد تمخضت الدراسة عن جملةٍ من النتائج، منها: بما أن الافتراض المسبق لإلقاء الخطبة علی عدم استخدام حرف الألف، فنجد قلة تنوع الضمائر في الخطبة؛ ولكن مع ذلك، فإنَّ هذه القلة في التنوع لم تؤدِّ إلى تكرارٍ ممل أو انقطاع في تماسك النص، بل على العكس، تمَّ تقديم مضامين الخطبة وأفكارها بأسلوبٍ بديع، مما جعل الضمير يُؤدي دورا محوريا في تعزيز التماسك النصي وإضفاء إيقاعٍ وموسیقی فذّة. وأكثر أنواع الإحالة بالضمير شيوعا في الخطبة هي الإحالة النصية القبلیة، مع تركيزٍ واضح على الضمير الغائب، كما أنَّ الإحالة الرئیسة تختص بالإنسان الذي تمَّ تصويره من خلال رحلته المصيرية نحو الآخرة، مما يُضفي على الخطبة عمقا دلاليا ووحدة موضوعية. كذلك قد ساعدت الإحالة الضمیریة علی تقدیم جمل قصیرة ومتنوعة، ومنحت النص بلاغة تعبیریة عن طریق سبك الجمل. | ||
| کلیدواژهها | ||
| الإمام علي (ع)؛ التماسك النصي؛ الخطبة المونقة؛ الإحالة الضمیریة | ||
| اصل مقاله | ||
|
المقدمة لسانیات النص أو نحو النص حقل علمي جدید، یکون بدیلا ومکملا لمناهج لسانیة سابقة. ولم یهتم بالجملة کما في السابق، بل ینتقل بالدراسة اللسانیة من محوریة الجملة إلی النص، بوصفه الوحدة اللغویة الکبری التی لها الأکثر استقلالیة. لقد بدأ البحث في تحلیل النص بمجموعة من المحاولات، ومنها محاولة زیلنج هاریس[1] في عام 19٥2م. فهو اهتم بتوزیع العناصر اللغویة في النصوص والروابط بین النص وسیاقه الاجتماعي، ثم دراسة دل هیمز[2] في عام 19٦0م، والذي ركز علی الحدث الكلامي في مواقعه الاجتماعیة. وقد لقي هذا البحث اهتماما كبیرا من قِبل فلاسفة اللغة، حتی وصل الأمر إلی هالیداي[3] الذي قدم أعظم عمل في تحلیل الخطاب البریطاني، وغیّر مفاهیم كثیرة في المدرسة اللغویة (مك كارثي، 1993م، ص ٥ ـ 7). ثم ظهرت أسماء كثیرة في هذا العلم، من مثل فان دایك[4] الذي قام بتأسیس علم النص أو نحو النص (فضل، 1992م، ص232). ثم تطور التحلیل النصي كثیرا، لیتعامل مع ما فوق الجملة، ویهتم بالسیاقات والمؤثرات الثقافية في اللغة المستعملة، ثم الاهتمام بعلم اللغة التطبیقي وتعلیم اللغة الثانیة. إلی جانب ما سبق، لا بد أن نشير إلى أهمیة التماسك، باعتباره جزءا من نظام اللغة الذي یعد موضع الاهتمام في عملیات الفهم والتفسیر وموضع إفادة في مجال تعلیم مهارات الفهم وقیاس سرعة وقت القراءة (محمد، 2009م، ص 99)، والتركیز علی كیفية تركیب النص كصرح دلالي، وإعداد روابط التماسك المصدر الوحید للنصية، والتعرف علی ما هو نص وما هو غیر ذلك، والربط بین الجمل المتباعدة زمنیا (الفقي، 2000م، ج 1، ص 100). إذن، تتجلی أهمیة التماسك في فهم النصوص فهما دقیقا من جانب، ومن جانب آخر، تظهر في تعلیم اللغة. لقد اهتم العلماء منذ القدم بصور التماسك النصي للخطاب، وقد اعتمدوا علی العدید من الوسائل، وأهمها خمسة: الإحالة، والإبدال، والحذف، والربط، والتماسك المعجمي (هاليداي وحسن، 197٦م، ص ٦ ـ 10). والإحالة تعد وسیلة مهمة من وسائل التماسك؛ لأن بعض العناصر اللغویة في النص لا یمکن فهمها إلا من خلال العودة إلی ما تشیر إلیه. ومن المألوف، أن یعید المتحدث الألفاظ في العبارات والجمل والتراكیب التي تتحد في دلالتها. وهنا، یأتي دور الإحالة، لتعالج هذه المشكلة. فإنها تقوم بوظیفة الاقتصاد والثبات المعنوي. فاستخدام نظام الإحالات هو من قبیل الإیجاز والاختصار. وبالإضافة إلی الإیجاز، تؤدي الإحالة إلی الدقة والدلالیة، حیث یعود اللفظ إلی شيء سابق دون تكراره. فالتكرار یؤدي إلی خلط، حین یتكرر داخل النص الواحد. ومن هنا، یمكن الخروج من رتابة الأسلوب مع إحكام السبك باستخدام وسائل مختلفة، تأتي في مقدمتها الإحالة (أبو یوسف والشامي، 2017م، ص 2). وهنا، مهمة دراستنا هو الربط الإحالي أو عنصر الإحالة الضمیریة، حیث یُعدّ من بین الأدوات التي تساهم في تشكیل البناء النصي، ویلعب دورا بارزا في ربط أجزاء النص بأخواته من الكلمات المتجاورة، بحیث یستحیل الفصل بین تلك الأجزاء. نلاحظ الدراسات العدیدة بشأن التماسك النصي في نصوص مختلفة من الدینیة وغیرها. ولكن هذه الورقة البحثیة انتقت الخطبة المونقة؛ لأن هذه الخطبة، مع أنها قیلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غیر أنها لم تكن خالیة من الفكر بمختلف أبعاده. وربما زعم قارئ، قبل قراءة هذه الخطبة التي تخلو من الألف ـ وهي من أهم الحروف في صناعة الكلمات ـ أن فيها شيئا من التكلف والتقیید وعدم مقدرة المتكلم علی استخدام الكلمات كما ینبغي؛ ولكن عندما یقرأ الخطبة، یری مع وجود هذا التندر، خطبة مستحكمة ومتینة السبك وذات إیقاع وموسیقی وتنوع المواضیع والتعبیر عن المعاني بأحسن صورة ما. تكمن أهمیة هذا البحث في الملاحظة الأخیرة؛ حيث تسعی هذه الورقة إلی دراسة التماسك النصي في الخطبة المونقة التي لم یُستخدم فیها حرف الألف متعمدا؛ ولكن حافظت علی جمیع العناصر البلاغية، بحیث لا یمكن إثارة أدنی شبهة بشأن أسلوبها أو مواضیعها. یسعی هذا البحث المتواضع، من خلال المنهج الوصفي ـ التحليلي، إلی تبیین دور الإحالة وأثرها في تماسك النص، انطلاقا من جملة من الشواهد المنتقاة من الخطبة المونقة. 1ـ2. أسئلة البحث يحاول البحث الإجابة عن سؤال محوري، هو: ـ كیف تحقق التماسك النصي في الخطبة المونقة من خلال الإحالة الضمیریة؟ 1ـ3. فرضیات البحث تنص فرضية البحث على ما يلي: بسبب خلو الخطبة من حرف الألف، تفترض الدراسة علی أن الإحالة الضميرية تُعدّ من أهم العوامل التماسك النصي في هذه الخطبة، حیث یؤثر في ربط الأفکار بین الجمل علی مستوی النص، وإقامة الموسیقی، والإیجاز، والاقتصاد في اللغة. 1ـ4. خلفية البحث تسبق هذه الورقة البحثیة دراسات بشأن التماسك النصي والإحالة في النصوص المختلفة. وأما بالنسبة إلی الخطبة المونقة، فبما أن ما جاء بها السید الرضي في ضمن نهج البلاغة، فلا نرى البحوث والدراسات بشأنها كثیرة، ولاسیما بشأن تماسكها؛ ولكن من جوانب أخرى، قد حظيت هذه الخطبة باهتمامٍ. ويمكن الإشارة إلى الدراسات التالية: مقالة بعنوان واكاوى فصاحت و بلاغت امام علی (8) بر اساس دو خطبة مونقة و بینقطه (= تحليل فصاحة وبلاغة الإمام علي (8)، بناءً على خطبتين المونقة والخالیة من النقطة)، لعلي رضا علیزاده وعلي عزیزي (1397ه.ش). تناولت المقالة الجانب البلاغي من ناحیتي علم المعاني وعلم البدیع للخطبة المونقة. مقالة الصورة الفنیة في الخطبة المونقة للإمام علي (8)، اعتمادا علی نظریة سید قطب والتأكید علی الإیقاع، لشكیب والآخرین (13٤0ه). كما یبدو من اسمها أنها قد اهتمت بجانب الإیقاع والموسیقی أكثر، واعتمدت علی نظرية سید قطب في التصویر الفني. والفرق الواضح ـ كما یری القارئ بین هذه المقالات والكتب وورقتي البحثیة ـ يكمن في أن البحوث المذكورة لم تتعرض للتماسك النصي للخطبة المونقة؛ بينما ستتناول الورقة التماسك النصي في الخطبة بصورة مركزة من خلال الإحالة الضمیریة. وهذا هو الجدید. تناول علماء النص الإحالة كوسیلة من وسائل التماسك النصي. وظهر عند هالیداي ورقیة حسن ثم قدم دي بوجراند[7] ودریسلر[8] مصطلح الصیغ الكنائیة، وهو مصطلح عام، یندرج تحته إضمار الاسم، وإضمار الفعل، وإضمار المكمل. واستخدم براون ویول مصطلحا آخر، وهو الإحالة المتبادلة أو الإحالة النصیة. علی أیة حال، فما یطلق علیه "إحالة"، یعبر عنه بشكل عام في الفرنسیة وفي الإنجلیزیة. وهناك مجموعة ترجمات عربیة لهذا المصطلح، منها: الإرجاع، والإرجاعية، أو المرجعیة، نسبة إلی المرجع (محمد، 2009م، ص 119). فعلى الرغم من هذا الخلاف في ترجمة المصطلح، فإن الإحالة أکثر استخداما وشیوعا من غیرها. إن الأدوات التي تحیل داخل النص أو خارجه، هي الأدوات التي نعتمد في فهمنا لها لا علی معناها الخاص، بل علی إسنادها إلی شيء آخر. فهي تجبر القارئ أو المستمع علی البحث في مكان آخر من النص عن معناها (براون ویول، 1997م، ص230)، أو یرجع إلی السیاق لفهمها؛ إذ لا یُفهم إلا بإدراك الأجواء الحاکمة علی إنتاج النص. وكلمات الإحالة أكثر وسائل الربط شیوعا، وهي في العربیة عدیدة، تدخل فيها الضمائر، وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، وبعض العناصر المعجمیة الأخری من قبیل: نفس، عین، بعض و... (الزناد، 1993م، ص 7٦). في هذه الإحالات بالذات، یتم التجنب عن التکرار المملّ وابتعاد النص عن الابتذال الناتج عن التکرار. یشترط وجوبا في كل مضمر أن یكون له مفسر مناسب یحكمه أو عنصر مفترض یكون قابلا للتطابق معه بطریقة ما (هاليداي وحسن، 197٦م، ص 31). والضمائر من أهم الأدوات التي تحقق التماسك النصي؛ لأنها تربط اللغة بسیاق الموقف الخارجي، فضلا عن تأدیتها وظائف تركیبیة ودلالیة متعددة، أهمها وظیفة الربط. 3ـ1. عناصر الإحالة ثانیاً: الإحالة المقامیة الخارجیة (السیاقیة): وهي إحالة عنصر لغوي علی عنصر إشاري غیر لغوي موجود في المقام الخارجي، أي خارج حدود النص، وتمثلها ضمائر الحضور، بفرعیها المتكلم والخطاب. وتساهم هذه الإحالة في خلق النص؛ لأنها تربط اللغة بسیاق المقام، إلا أنها لا تساهم في اتساقه بشكل مباشر كالإحالة الداخلیة (خطابي، 1991م، ص 17). ویمكن الاستعانة بالشكل التوضیحي التالي: 3ـ2. الإحالة بالضمیر شغل الضمیر حیزا واسعا في ربط الكلام واتساقه في النص اللغوي. فهو من الوسائل التي تُحقق التماسك الشكلي والدلالي وتشكیل المعنی. وإبرازه یعتمد علی وضع الضمیر داخل النص. فالضمائر تُكوّن مع غیرها من الوسائل نسیجا نصیا عالي الدقة والمتانة (الفقي، 2000م، ج 1، ص 1٦2). إن للضمائر أهمیة في تحقیق التماسك النصي. فهي تكتسب أهمیتها من خلال نیابتها عن الأسماء والأفعال والعبارات والجمل المتتالیة، كما تربط بین أجزاء النص المختلفة شكلا ودلالة، داخلیا وخارجیا، سابقة ولاحقة. وتنقسم الضمائر في العربیة إلی قسمین: ضمائر الحضور وضمائر الغیاب. وتتفرع ضمائر الحضور إلی ضمائر المتكلم، باعتبارها مركز المقام الإشاري، فالمتكلم هو الباث، وكذلك إلی ضمائر المخاطب؛ لأنّ المخاطب هو الذي یقابل المتكلم في ذلك المقام، ویشاركه فيه، فهو المتقبل. ویحقق هذا النوع من الضمائر الإحالة خارج النص بشكل نمطي. ولا تصبح إحالة داخل النص، أي اتساقیة، إلا في الكلام المستشهد به، أو في خطابات مكتوبة متنوعة من ضمنها الخطاب السردي. فيبقی دور ضمائر الحضور ثانویا في اتساق النص. أما ضمائر الغیاب، فيخضع معیار التفضیل فيها للجنس والعدد. ویؤدي هذا النوع من الضمائر دورا أساسیا في اتساق النص من خلال الربط بین أجزائه والوصل بین أقسامه (خطابي، 1991م، ص 18) ممّا تقدم، یتّضح أن للضمائر دور هام في تحقق التماسك النصي؛ إذ إنها نائبة عن الکلمات بمختلف أنواعها، فضلا عن وظیفتها الربطية. فلا یمکن تخیل نص، وهو خال من الضمائر. فنری اهتمام الکثیر من الباحثین في مجال لسانیات النص بدورها الفعال في تماسك النص. ٤. الإحالة الضمیریة وتجلیاتها في الخطبة المونقة إن الإحالة بالضمير تُعَدّ من أهم عوامل التماسك في هذه الخطبة. وبالنظر إلى الافتراض المسبق لإلقاء الخطبة القائم على عدم استخدام حرف "الألف"، فإن بعض هذه الضمائر تُخرج من دائرة الاستخدام. علاوة على ذلك، فإن الموضوعات التي نوقشت في الخطبة، قد أدت إلى تقليل تنوع الضمائر في هذه الخطبة، مقارنةً بخطب أخری للإمام علي (8). يشكل عدد الضمائر نحو ربع من مجموع كلمات الخطبة، وهي نسبة لافتة للنظر. ومن الجدير بالذكر، أن الافتراض المسبق في الخطبة أدی إلى عدم استخدام جميع الضمائر فيها، حيث يمكن ملاحظة بعض الضمائر فقط في الخطبة، كما هو موضح في جدولَي الرقم الأول والرقم الثاني. 4ـ1. الإحالة السياقية هذه الخطبة هي كلام الإمام علي (8). فمن الطبيعي، أن تكون إحدى الإحالات السياقية لشخص الإمام نفسه. فلهذا، فإن الإحالة السياقية باستخدام ضمير التكلم "تُ" في هذه الخطبة، تشير إلى الإمام نفسه. يمكن رؤية الإحالات السياقية في هذه الخطبة من خلال المرجعيات الموجودة في السياق الكلامي للإمام في الجدول التالي: استخدم الإمام ضمير التكلم المتصل "تُ" في الفعل الماضي في عدة موارد في الجمل الأولى من الخطبة، للتعبير عن الحمد والشكر للمولى عز وجل: «حَمِدْتُ مَنْ عَظُمَتْ مِنَّتُهُ، وسَبَغَتْ نِعْمَتُهُ، وسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ، وتَمَّتْ كلِمَتُهُ، ونَفَذَتْ مَشِیَّتُهُ وبَلَغَتْ حُجَّتُهُ، وعَدَلَتْ قَضِیَّتُهُ، ... حَمِدْتُ حَمْدَ مُقِرٍّ بِرُبُوبِیَّتِهِ، مُتَخَضِّعٍ لِعُبُودِیَّتِهِ، مُتَنَصِّلٍ مِنْ خَطِیئَتِهِ ...» (الكفعمي، 1405ه، ج 1، ص 741). الإمام حمد اللّٰه لعظیم منته وإحسانه لدیه، واستعمل صیغة الفعل الماضي، لما في فعل المضيِّ من دلالة النفاذ في الأمر والفراغ منه. فكأنّ "حمد" أمیر المؤمنین أمر نافذ مفروغ منه قدیم لعظمة منته عز وجل وكمال إحسانه لدیه. فالإمام یتحدث عن حدث أو أمر حاصل قبل زمن التكلم (شغیدل، 201٦م، ص 27 ـ 28). فهذا الاستعمال أكثر بلاغة من استعمال الفعل المضارع الذي فيه حرف الألف. وقد بدأ أمیر المؤمنین خطبته بالفعل "حمد"؛ وبذلك، قد سنّ الإمام سنة حسنة بالابتداء بالحمد، لیقلده من جاء من بعده، حتی أصبح "الحمد" جزءا أصیلا من الخطبة. فتدعى الخطبة التي لا تبتدأ بالحمد "بتراء" (الموسوي، 2002م، ص 25). أما المرة الثانیة التي ورد فيها الفعل "حمد" في الخطبة، فلبیان كیفية هذا الحمد (شغیدل، 201٦م، ص 29). وبناءً عليه، فإن نوع الحمد الثاني من هذا المنظر يختلف، ويعتبر بشكل ما مكملًا للحمد الأول. نلاحظ مرة أخرى ضمائر المتكلم المفرد في شهادته على وحدانیة اللّٰه عزّ وجلّ: «وشَهِدْتُ لَهُ بِضَمِيرٍ مُخْلِصٍ مُوقِنٍ، وفَرَّدْتُهُ تَفْریدَ مُؤْمِنٍ مُتَیَقِّنٍ، ووَحَّدْتُهُ تَوْحیدَ عَبْدٍ مُذْعِنٍ» (الكفعمي، 1405ه، ج 1، ص 741 ـ 742). ورد الفعل "شهد" في الخطبة ثلاث مرات. فشهادة أمیر المؤمنین قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر وبصیر، شهادة بربوبیة اللّٰه، شهادة مخلص موقن بهذا القول (شغیدل، 201٦م، ص 55). وأما الفعل "فرّد" علی زنة "فعّل"، فله معان كثیرة، منها المبالغة والتكثیر (الحملاوي، 1979م، ص 45)، ویدلّ علی تكریر الفعل وكثرة القیام به. وكلا المعنیین وارد في قول الإمام، یعني المبالغة والتكثیر. فالإمام یرید أن یقول: إنه یجعل اللّٰه فردا واحدا، وإنما یقع هذا الفعل منه شیئا بعد شيء، علی تطاول من الزمن، یفرّده تفرید مؤمن به، متقن له (شغیدل، 201٦م، ص 57). ثم نواجه الفعل "وحّد". وهذا الفعل أیضا علی زنة "فعّل"، ومن معانيها الجعل. فأمیر المؤمنین جعل اللّٰه واحدا لا شریك له في الربوبیة. فهو جل وعلا واحد في ذاته وصفاته، لا شریك له في وجوده، ولا في أفعاله. هذه الأفعال التي لا يقدر على القيام بها كما ينبغي إلا من كان لديه اليقين والإقرار الكامل بوجود الرب، يتم التعبير عنها باستخدام ضمير المتكلم المفرد، وليس بصيغة المتكلم الجمع؛ إذ إن مثل هذا اليقين والخضوع الكامل والشهود العیني لا يتحقق إلا لمثل الإمام عليّ (8) وحده. صحيح أن الفاعل هو الإمام علي (8)؛ لكن هذا الحمد والشكر وتوحيد الذات الإلهية كلها تتوجه إلى ذات اللّٰه سبحانه وتعالى، وهو محور اهتمام الإمام. في نهاية الخطبة، يُستخدم هذا الضمير مرة أخرى في الفعل "عذتُ"، ومحورها هو المولى عز وجل؛ إذ یوظف الإمام هذه الأفعال بكل جوارحه، وتتجسد جميعها في إطار المتكلم المفرد: استخدام ضمير المتكلم الجمع إحالة سياقية أخرى، حیث یتداخل استخدامه وسط ضمائر المتكلم المفرد، مُضیفا بذلك عمقا وتنوعا علی النص. وتعبیر الإمام عن المعاني بفعل المتكلم الجمع یدل علی أنه يُوحّد نفسه والشعب في صفٍ واحد: «ونَسْتَعینُهُ، ونَسْتَرْشِدُهُ، ونُؤْمِنُ بِهِ، ونَتَوَكّلُ عَلَیْهِ» (الكفعمي، 1405ه، ج 1، ص 741). استعمل الإمام في كلامه السابق كله صیغة الماضي. وأما في هذا المقطع، فاستعمل صیغة المضارع، لما فيها من الدلالة علی الحال والاستقبال والتجدد والحدوث. فيكون الفعل المضارع مناسبا لهذه الأفعال. فالعبد یحتاج في كل وقت ومكان إلی أن یستعین باللّٰه، ویسترشده، ویؤمن به، ویتوكل علیه (شغیدل، 201٦م، ص 45). مرة أخرى، وبعد وصف جهنم، يُعبّر الإمام باستخدام فعلي "نعوذ" و"نسأل"، عن أقصى احتياجاته إلى بارئه في مثل هذه الظروف، ثم في نهاية الخطبة، يستغفره. في جميع هذه الأفعال، يستخدم الإمام أفعالًا، يكون فاعلها ضمير مستتر "نحن"، حيث يجب أن تصدر جميع هذه الأفعال عن العبد. والإمام في هذه الحالات لا يعتبر نفسه منفصلًا عن الناس، ليكون نموذجا عمليا لهم. یُلاحظ أن كيفية استخدام هذه الضمائر تكشف عن أن المحور الرئيس لهذه الضمائر هو اللّٰه سبحانه وتعالى. في هذه الخطبة، تم استخدام ضمير المخاطب "كُم" 15 مرة، مع التركيز على عموم الناس. تم ذكر معظم هذه الضمائر بعد الحمد والشكر للّٰه، وذكر نعمة وجود النبي الأكرم: «وَصَّیْتُكمْ مَعْشَرَ مَنْ حَضَرَني، بِتَقْوی رَبِّكمْ، وذَكرْتُكمْ بِسُنَّهِ نَبِیِّكمْ، فَعَلَیْكمْ بِرَهْبَهٍ تُسَكِّنُ قُلُوبَكمْ، وخَشْیَهٍ تَذْري دُمُوعَكمْ، وتَقِیَّةٍ تُنْجیكمْ قبل یَوْمِ یُذْهِلُكمْ، ويُبْلیكُمْ یَوْمَ یَفُوزُ فيهِ مَنْ ثَقُلَ وَزْنُ حَسَنَتِهِ، وخَفَّ وَزْنُ سَیِّئَتِهِ، وَلْتَكنْ مَسْألَتُكمْ مَسألَةَ ذُلٍّ، وخُضُوعٍ، وشُكرٍ، وخُشُوعٍ، وتَوْبَهٍ، ونَزُوعٍ، ونَدَمٍ ورُجُوعٍ وَلْیَغْتَنِمْ كلُّ مُغْتَنِمٍ مِنْكمْ ...» (المصدر نفسه، ص 742). ثلاث مرات أيضاً ذُكرت في نهاية الخطبة: «فَلْیَتَضَرَّعْ مُتَضَرِّعُكمْ، وَلِیَبْتَهِلْ مُبْتَهِلُكمْ، فَنَسْتَغْفِرُ رَبَّ كلِّ مَرْبُوبِ لِي وَلَكمْ» (المصدر نفسه، ص 744). الإمام بعد أن یحمد اللّٰه، ویشكره، يتحدث بتفصيل، ويذكر نعمة النبوة العظيمة. ومن أجل إحداث الألفة والأنس ولفت انتباه مخاطبيه، يستخدم ضمير الخطاب "كُم"، ليحول بذلك كل انتباههم نحو الموضوع الرئيس للكلام، وينتقل بهم إلى صلب حديثه، وتصبح المواعظ والنصائح أكثر رسوخاً في قلوبهم. إن هذا النوع من الانتقال، بالإضافة إلى إحداث التنوع، يوقظ مخاطباً، كان ذهنه قد اعتاد على نوع خاص من العبارات (بالضمير الغائب)؛ إذ يُفاجَأ بسماع ضمير يخاطبه مباشرة، مما يجعله يدخل في هيكل جديد، ويستدعي انتباهه إلى موضوع جديد، على الرغم من أنه في المقطع التالي لم يُستخدم ضمير المخاطب، بل تمت الإحالة إلى نوع الإنسان. يبدو أن الإمام من خلال أسلوب التعاطف يسعى إلى تقديم المفاهيم التي يرغب في إيصالها، مُنبهاً مخاطبيه باستخدام ضمائر الغیاب. هذا الأسلوب يُحدث بنية موسيقية بديعة، ويتميز بالإيجاز والاختصار، بعيدا عن الثقل في التعبير. 4ـ2. الإحالة النصیة القبلية قد تم استخدام ضمائر الغیاب بكثافة في هذه الخطبة مقارنة ببقیة الضمائر، حيث تم استغلال هذا الضمير إلى أقصى حد، وفقا لموضوع الحديث. كما هو موضح في جدول الرقم الثاني، فإن الضمائر التي تحیل إلی الإنسان أكثر من بقیة ضمائر الغیاب: في المقطع الأول من الخطبة، الذي يختص بحمد وثناء الرب، تشير معظم ضمائر الغیاب إلى اللّٰه تعالى، دون أن يُذكر اسمه جلّ وعلا في بداية الكلام. ولكن مضمون وسياق الحديث يوضح هذا المرجع واضحا، حيث يُدرك المخاطب الصفات والخصائص التي لا تليق بأحد سواه. فنری أن المحال إلیه واضحا غیر مجهول. فالملاحظ أن كلام الإمام موجه إلی الناس، ویعرفه القاصي والداني ممن حضر وسمع لخطبته. فالذي یتلقی كلام الإمام في المقطع الأول، یفهم أن الضمیر الذي یعود إلی كلمة "مَن" هو اللّٰه جلّ وعلا؛ لأن الحمد مختص به. على الرغم من أن ضمير الغائب عادةً ما يكون إحالة نصية، ففي هذا المقطع، تُعتبر إحالة ضمائر الغیاب بمثابة إحالة سياقية؛ لأن جميعها تحیل إلی كلمة "مَن" في بداية الخطبة، حيث يقول الإمام: إن حمده وشكره خاص بالذي "عَظُمَتْ مِنَّتُهُ ..."، ولا یُذكر أيّ من الأسماء أو الألقاب الإلهية صراحة. ومع ذلك، لا يؤدي هذا إلى أيّ لبس أو غموض؛ لأن أول فعل يستخدمه الإمام، أي "حمدتُ"، خاص باللّٰه تعالى. في المقطع التالي، تُظهر ضمائر الغیاب في الأفعال المتتالیة، وتخلق موسیقی وإیقاع جمیل: «جَلَّ [هو] عَنْ مُشیرٍ ووَزیرٍ، وتَنَزَّهَ [هو] عَنْ مِثْلٍ ونَظیرٍ، عَلِمَ [هو] فَسَتَرَ [هو]، وبَطَنَ [هو] فَخَبَرَ [هو]، ومَلَك [هو] فَقَهَرَ [هو]، وعُصِيَ [هو] فَغَفَرَ [هو]، وعُبِدَ [هو] فَشَكرَ [هو]، وحَكمَ [هو] فَعَدَلَ [هو]، وتَكرَّمَ [هو] وتَفَضَّلَ [هو]، لَمْ یَزَلْ [هو] ولَنْ یَزُولَ [هو] ...» (الكفعمي، 1405ه، ج 1، ص 742). تمثّل هذه الفقرة صنف الإحالة إلی مذكور سابق، وهو لفظ "مَن"، أي اللّٰه؛ إذ تمّت الإحالة إلیه بسلسلة من الضمائر الظاهرة المتصلة، أو الضمائر المستترة التي شغلت في كلها وظیفة الفاعل أو نائب الفاعل. ثم يحدث الانتقال مرة أخرى إلى الضمائر البارزة التي تتجلى بوضوح في التعبيرات. وكأن هذا الاستتار والظهور يشير إلى عظمة اللّٰه تعالى. فبعض الأشخاص يُدركون ذلك بشكل عيني؛ بينما البعض الآخر يدركونه حتى من وراء الأفكار: «ولَیْسَ كمِثْلِهِ شَيْءٌ، وهُو قَبْلَ كلِّ شَيْءٍ، وبَعْدَ كلِّ شَيْءٍ، رَبٌّ مُتَفَرِّدٌ بِعِزَّتِهِ، مُتَمَلِّك بِقُوَّتِهِ، مُتَقَدِّسٌ بِعُلُوِّهِ، مُتَكبِّرٌ بِسُمُوِّهِ لَیْسَ یُدْرِكهُ بَصَرٌ ...» (المصدر نفسه، ص 742). هذا المقطع هو مثال، يُظهر أن جميع ضمائر الغیاب تحیل إلى اللّٰه تعالى. فكل هذه الإحالات أدّت إلی اتساق النص وانسجامه، رغم أن الحديث يعتمد فقط على نوعين من الضمائر؛ ولكنه لا يتسم بالتكلف أو التعقيد. وأما كما هو موضح في جدول الرقم الثاني، فنجد في هذه الخطبة الشريفة أن الضمير الغائب العائد علی الإنسان تكرر داخل هذه الخطبة تكرارا كبیرا. فهذا الضمیر لا یُمكن الفصل بینه وبین عامله؛ إذ إنه یكون بوجه من الوجوه عوضا عن لفظ الإنسان، وقد التصق بالعامل تماما، لا یمكن الفصل بینهما. فبهذه الضمائر، حققت الإحالة النصیة انسجاما لدلالة النص وتماسكه. ومن دون هذا الضمیر، لا یستقیم الكلام، بل یبقی مشتتا غیر مترابط. فالإمام في هذا المقطع من الخطبة الذي أطول من غیرها، يُصور المخاطب كشخصية مثالية ومسافر، يتوجه إلى سفر الآخرة. يمكن وصف هذا السفر تحت عدة فئات كما يلي: الفئة الأولى: في المقطع الأول وفيما يتعلق بالرب وطلب المغفرة منه: «حَمِدْتُهُ حَمْدَ مُقِرٍّ بِرُبُوبِیتِهِ مُتَخَضِّعٍ لِعُبُودِیتِهِ مُتَنَصِّلٍ مِنْ خَطِیئَتِهِ [الإنسان] مُعْتَرِفٍ بِتَوْحِیدِهِ مُسْتَعِیذٍ مِنْ وَعِیدِهِ مُؤَمِّلٍ مِنْ رَبِّهِ [الإنسان] مَغْفِرَةً تُنْجِیهِ [الإنسان] یوْمَ یُشْغَلُ كلٌّ عَنْ فَصِیلَتِهِ [الإنسان] وبَنِیهِ [الإنسان]» (المصدر نفسه، ص 741). الفئة الثانية: تُظهر الرحلة النهائية في حياة الإنسان، والتي يمكن التفكير فيها وتأملها من خلال عدة محاور، منها: ـ النصح والإرشاد لاغتنام الفرص: «ولْیغْتَنِمْ كلُّ مُغْتَنِمٍ مِنْكمْ صِحَّتَهُ قَبْلَ سُقْمِهِ، وشَیبَتَهُ قَبْلَ هَرَمِهِ، وسَعَتَهُ قَبْلَ فَقْرِهِ، وخَلْوَتَهُ قَبْلَ شُغْلِهِ، وحَضَرَهُ قَبْلَ سَفَرِهِ، قَبْلَ یَكبُرُ ویَهْرَمُ، ویَمْرَضُ ویَسْقَمُ، ویَمَلُّهُ طَبِیبُهُ ویُعْرِضُ عَنْهُ حَبِیبُهُ، ویَنْقَطِعُ عُمْرُهُ ویتَغَیَّرُ عَقْلُهُ» (المصدر نفسه، ص 742 ـ 743). في هذا المقطع، تحیل جميع الضمائر إلى كلمة "كل". والمقصود بها الإنسان. في بداية هذا المقطع، الإمام يخاطب الناس مستخدما ضمير المخاطب؛ لكنه سرعان ما ينتقل إلى الضمير الغائب، مما يعزز الانسجام والترابط بين العبارات بشكل أكبر. يجب البحث عن سبب هذا الانتقال في عمومية هذه الخصائص التي تُعتبر سارية في كل زمان ومكان، وفيما يتعلق بأي إنسان. فمن المحتمل، أن استخدام ضمير المخاطب في هذا المقطع وفي المقاطع التالية كان سيؤدي إلى فقدان العمومية، ويبعد موعظة الإمام عن تأثيرها العميق. في هذا المقطع، تُستخدم أفعال مضارعة للتوصية باغتنام الفرص. واستخدام هذه الأفعال، وهي: "یكبر،یهرم، یمرض، یسقم، یمل، یعرض، یتغیر، ینقطع"، سبب في توجیه أمیر المؤمنین معشر مَن كان حاضرا عنده في مجلسه إلی اغتنام الصحة قبل السقم، والشیبة قبل الهرم، والسعة قبل الفقر، والخلوة قبل الشغل، والحشر قبل السفر (شغیدل، 2016م، ص 164). هذه الأفعال تتفق من حيث المعنى، كما أن الضمائر المستترة فيها التي تعود إلی مرجع واحد، قد أسهمت في إرساء روابط نصیة قویة ومتسقة. مما تجدر الإشارة إلیه هنا الدقة في إیراد الأفعال بحسب تدرج معانیها مع ملاحظة الفروق الدقیقة بین فعل وآخر في كلام الإمام. ویبدو واضحا هذا الأمر في التدرج الحاصل بین هذه الأفعال التي أوردها الإمام، التي كانت سببا في توجیهه معشر مَن كان جالسا عنده (المصدر نفسه، ص 171). وقد أحسن الإمام حین استعمل الفعل "ینقطع"؛ إذ إنه سینتقل إلی بیان حال الإنسان في بدایة الموت "الاحتضار". فكأن الإنسان بانقطاع عمره، أي انتهائه ونفاده وذهابه، یعبر من حال إلی حال. فهو ینتقل من حال "الحیاة" إلی حال "بدایة الموت / الاحتضار". وهذا الفعل بدایة الانتقال إلی حال "الاحتضار والموت". فهو في هذه الحال في عدد الموتی. ومنه، نلحظ دقة الإمام في استعماله الأفعال في الانتقال من فقرة إلی أخری في الخطبة، حسب ما یقتضیه السياق والمقام (المصدر نفسه، ص 175). فالفعل "ینقطع" ربط بین قوله: "ولیغتنم كل مغتنم ..."، وقوله: "ثم قیل هو موعوك ..." ـ وصف لحظات الموت والسكرات: «ثُمَّ قِیلَ: هُوَ [الإنسان] مَوْعُوك وجِسْمُهُ مَنْهُوك!، ثُمَّ جَدَّ [الإنسان] في نَزْعٍ شَدِیدٍ، وَحَضَرَهُ كلُّ قَرِیبٍ وبَعِیدٍ، فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ، وطَمَحَ نَظَرُهُ، ورَشَحَ جَبِینُهُ، وسَكنَ حَنینُهُ، وجَذَبَتْ نَفْسُهُ، ونُكِبَتْ عِرْسُهُ، وحُفِرَ رَمْسُهُ، ویُتِمَ مِنْهُ وُلْدُهُ، وتَفَرَّقَ عَنْهُ عَدَدُهُ، وقُسِّمَ جَمْعُهُ، وذَهَبَ بَصَرُهُ وسَمْعُهُ» (الكفعمي، 1405ه، ج 1، ص 743). هنا، تُستخدم أفعال ماضية لوصف حال الإنسان المحتضر الذي يقترب من الموت. ونجد الضمائر الموجودة بفواصل قصيرة، فتتكون جمل متماسكة ومترابطة، لتخبر عن حالات احتضار الإنسان. على الرغم من أن الأفعال ماضية، إلا أنه من حيث حياة الإنسان، ستحدث جميعا في مستقبله. في بداية هذا المقطع، يُخاطب الإنسان باستخدام الضمير المنفصل "هو"، وبعد ذلك تُستخدم الضمائر مرة أخرى بشكل متصل. يبدو أن هذا الضمير المنفصل يلعب دور الرابط بين الأفكار السابقة بسبب الابتعاد عن المحال إلیه الذي ذُكر في المقاطع السابقة، وذلك لإیضاح مرجع هذه الضمائر مرة أخری، وبیان إلی"مَن" یشیر الإمام. ـ الموت والدخول إلى القبر: «وكُفِّنَ [الإنسان] ووُجِّهَ [الإنسان] ومُدِّدَ [الإنسان] وجُرِّدَ [الإنسان] وغُسِّلَ [الإنسان]، ونُشِّفَ [الإنسان] وسُجِّيَ [الإنسان]، وبُسِطَ لَهُ [الإنسان] وهُیئَ [الإنسان]، ونُشِرَ عَلَیهِ [الإنسان] كفَنُهُ [الإنسان] وشُدَّ مِنْهُ [الإنسان] ذَقَنُهُ [الإنسان]، وقُمِّصَ [الإنسان] وعُمِّمَ [الإنسان]، ولُفَّ [الإنسان] ووُدِّعَ [الإنسان] وسُلّـِّمَ [الإنسان]، وحُمِلَ [الإنسان] فَوْقَ سَرِیرٍ، وصُلِّيَ عَلَیهِ [الإنسان] بِتَكبِیرٍ، ونُقِلَ [الإنسان] مِنْ دُورٍ مُزَخْرَفَةٍ وقُصُورٍ مُشَیّدَةٍ وفُرُشٍ مُنَجَّدَةٍ وحُجَرٍ مُنَضَّدَةٍ، فَجُعِلَ [الإنسان] في ضَرِیحٍ مَلْحُودٍ...» (المصدر نفسه). في هذا المقطع، يتم استخدام الكثير من الأفعال المجهولة التي يحیل الضمير المستتر فيها إلى الإنسان. فقد بُنیت الأفعال للمجهول لأمرین: أحدهما التركیز علی الحدث؛ والآخر أنه لا یُعلم من سیقوم بهذه الأفعال. الأفعال الماضية المستخدمة تُبرز الحالة التي يتم الحديث عنها، حيث تعكس التجارب والمواقف التي يواجهها الإنسان في حياته. تعطي هذه الأفعال صورة واضحة عن الأحداث التي وقعت، وتُظهر تداعياتها بشكل مؤثر وفعال، مما يؤكد على أهمية هذه اللحظات في سياق الحديث عن الموت والدخول إلى القبر. والإمام (8)، استعمل أفعالا ماضیة لوصف حال الإنسان، وإن تم حصول هذه الأفعال في المستقبل. فالإنسان لم یُحتضَر بعد؛ ولكن الإمام (8)، جاء بها بلفظ الماضي لما في فعل المضيّ من دلالة علی النفاذ في الأمر والفراغ منه، یرید أن یقول إنّ هذه الأفعال، وإن لم تُحصَل بعد، إلا أنها حاصلة لا محالة، وهي أمور مفروغ من وقوعها. ـ حال المیت عند جعله في القبر: «وهِیلَ عَلَیْهِ حَفْرُهُ، وحُشِيَ عَلَیْهِ مَدَرُهُ، فَتَحَقَّقَ حَذَرُهُ، ونُسِيَ خَبَرُهُ وَرَجَعَ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَنَدِيمُهُ وَنَسِيبُهُ وَحَمِيمُهُ وَتَبَدَّلَ بِهِ قَرِينُهُ وَحَبِيبُهُ وَصَفِيُّهُ وَنَدِيمُهُ فَهُو حَشْوُ قَبْرٍ، ورَهینُ قَفْرٍ، یَسْعی في جِسْمِهِ دُودُ قَبْرِهِ، ویَسیلُ صَدیدُهُ مِنْ مِنْخَرِهِ ونَحْرِهِ، یُسْحَقُ ثَوْبُهُ ولَحْمُهُ، ویُنْشَفُ دَمُهُ، ویَرِقُّ عَظْمُهُ، حَتّی یَوْمَ حَشْرِهِ» (المصدر نفسه، ص 743). علی الرغم من تغیّر زمن الأفعال من الماضي إلی المضارع، وأحیانا من المبني للمعلوم إلی المبني للمجهول، إلا أن ضمائر الغیاب التي تحیل إلی الإنسان تظهر بشكل مستمر ومتسق في كل جملة، لتظل المحور الرئیس للحدیث حول الإنسان في مرمی الرؤیة. وتعمل هذه التكرارات بفواصل ضئیلة على تذكیر المخاطب بحالات لا مفر منها. ـ والقیامة وآلامها الرهیبة: «فَيُنْشَرُ مِنْ قَبْرِهِ، ویُنْفَخُ في الصُّورِ، ویُدْعی لِحَشْرٍ ونُشُورٍ، فَثَمَّ بُعْثِرَتْ قُبُورٌ، ... حینَئِذٍ یُلْجِمُهُ عَرَقُهُ، ویَحْفِزُهُ قَلَقُهُ، عَبْرَتُهُ غَیْرُ مَرْحُومَهٍ، وصَرْخَتُهُ غَیْرُ مَسْمُوعَهٍ، وحُجَّتُهُ غَیْرُ مَقْبُولَهٍ ... وشَهِدَ عَیْنُهُ بِنَظَرِهِ، ویَدُهُ بِبَطْشِهِ، ورِجْلُهُ بِخَطْوِهِ، وجِلْدُهُ بِمَسِّهِ، وفَرْجُهُ بِلَمْسِهِ، ویُهَدِّدُهُ مُنْكرٌ ونَكیرٌ، وكشَفَ عَنْهُ بَصیرٌ» (المصدر نفسه، ص 743 ـ 744). ورد في الأخبار أن الإنسان حین یُجعل في قبره، فإنّ قبره إما یكون روضة من ریاض الجنة أو حفرة من حفر النیران. وإذا كان القبر حفرة من حفر النیران، فلا شك في أنّ الإنسان في تلك الحفرة في عذاب دائم، یعني في حركة دائمة حادّة ومتجددة. فاستعمال الإمام فعلا مضارعا یناسب هذا المقام، ویبين لنا دقة الإمام في استعمال الألفاظ بما یناسب معانیها وبدقة متناهية في ذلك كله(شغیدل، 201٦م، ص 259) ـ الدخول إلى الجحيم أو الجنة: يبدأ هذا النقاش بأفعال مجهولة، تُنسب إلى أجزاء الإنسان وما يتعلق بها: «فَسُلْسِلَ جیدُهُ، وغُلَّتْ یَدُهُ، وسیقَ یُسَحَبُ وَحدَهَ، فَوَرَدَ جَهَنَّمَ بِكرْبٍ شَدِيدٍ وَظِلٍّ يُعَذَّبُ في جَحیمٍ، ویُسْقی شَرْبَةً مِنْ حَمیمٍ تَشْوي وَجْهَهُ، وتَسْلَخُ جِلْدَهُ، یَضْرِبُهُ زَبینَتُهُ بِمِقْمَعٍ مِنْ حَدیدٍ، یَعُودُ جِلْدُهُ بَعْدَ نَضْجِهِ بِجِلْدٍ جَدیدٍ، یَسْتَغیثُ فیَعْرِضُ عَنْهُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، ویَسْتَصْرِخُ فيَلْبَثُ حُقْبَهُ بِنَدَمٍ» (الكفعمي، 1405ه، ج 1، ص 744). انتقال الإمام من صيغ الماضي إلى المضارع والعكس يخلق تنوعا في نوع الضمير، من المنفصل إلى المتصل والمستتر. على الرغم من أن الضمائر غائبة، إلا أن التنوع اللازم قد تم تحقيقه بشكل جيد. إذا لم تكن الجحيم هي نهاية حياة شخصٍ ما، فتأكد أنه سيسكن في الجنة العليا. بعد أن يذكر الإمام العاقبة والجزاء الذي هو الجحيم، يتوجه بالدعاء إلى الرب، لينظر إلى الجانب الآخر من قصة حیاة الإنسان بعد الموت من الدنیا، حيث يسعى للحصول على رضا اللّٰه، ويتحدث عن النعم، ليكمل جناحَي أعماله بالشكل اللائق: «نَعُوذُ بِرَبٍّ قَدیرٍ مِنْ شَرِّ كلِّ مَصیرٍ، ونَسْألُهُ [اللّٰه] عَفْو مَنْ رَضِيَ عَنْهُ [الإنسان]، ومَغْفِرَةَ مَنْ قَبِلَ مِنْهُ، فهُوَ [اللّٰه] وَلِيُّ مَسْألَتِي ومُنْجِحُ طَلِبَتي، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ تَعْذیبِ رَبِّهِ [الإنسان]، سَكنَ في جَنَّتِهِ [اللّٰه] بِقُرْبِهِ [اللّٰه]» (المصدر نفسه). في هذا المقطع، ضمائر الغیاب محالة إلی كلمة "مَن" التي تحیل إلی الرب. فبتأمل في هذا المقطع، نری الجمع بین الإحالة إلی اللّٰه والإنسان، حیث یتواجد المحال إلیه في كلیهما هو كلمة "مَن" بفاصل قصیر؛ لكنه لا یحدث أي التباس وإبهام. یعبر هذا التوافق والتقارب بین الضمائر عن رجوع الإنسان إلی خالقه، سواء كان من أهل الجنة أم لا. ولكن المصیر النهائي وعودة الإنسان في كلتا الحالتين إلی "هو"، أي اللّٰه سبحانه وتعالی. استخدام الضمیر المنفصل "هو" في "هُوَ وَلِيُّ مَسْألَتِي ومُنْجِحُ طَلِبَتي"، بجانب الضمائر المتصلة، یشیر إلی ضرورة اللجوء إلی اللّٰه في أحوال عظیمة ومخیفة، حیث لا ملجأ للإنسان سواه. في هذا المقطع، تمّ مزج الأفعال المبنیة للمعلوم مع المبنیة للمجهول، سواء كانت ماضیة أم مضارعة، لتعبر معا عن أحوال الإنسان الذي سیستقر وسیسكن في الجنة وبجوار رحمة اللّٰه. والفاعل ونائب الفاعل في هذه الأفعال هو الإنسان الذي یظهر في صورة الضمیر المستتر، مما یعزز المعنی، ويحول دون التكرار الممل: «وخُلِّدَ في قُصُورٍ مُشَیَّدَهٍ، مُكِّنَ مِنْ حُورٍ عِينٍ وَحَفَدَةٍ، وطیفَ عَلَیْهِ بِكُؤُوسٍ، وسَكنَ حَظیرَةَ فِرْدَوْسٍ، وتَقَلَّبَ في نَعیمٍ، وسُقِيَ مِنْ تَسْنیمٍ، وشَرِبَ مِنْ عَیْنٍ سَلْسَبیلٍ، مَمْزُوجَهٍ بِزَنْجَبیلٍ، مَخْتُومَهٍ بِمِسْكِ وعَبیرٍ، مُسْتَدیمٍ لِلْحُبُورِ، مُسْتَشْعِرٍ لِلسُّرورِ، یَشْرَبُ مِنْ خُمُورٍ، في رَوْضٍ مُشْرِقٍ مُغْدِقٍ، لَیْسَ یَصْدَعُ مِنْ شُرْبِهِ، ولَیْسَ يُنْزَفُ، هذِهِ مَنْزِلَةُ مَنْ خَشِيَ رَبَّهُ، وحَذَّرَ نَفْسَهُ، وتَلِك عُقُوبَةُ مَنْ عَصَی مُنِشْئَهُ، وسَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ مَعْصِیَةَ مُبْدئِهِ» (المصدر نفسه). 4ـ3. الإحالة النصیة البعدیة 4ـ4. سلاسل الإحالات الرئيسة والفرعیة تحديد الإحالات الرئيسة والفرعیة للنص هو إحدی وظائف الإحالة، بالإضافة إلى إنشاء ارتباط بين جملتين أو أكثر. إذا زاد عدد الإحالات إلى مرجع محدد، يصبح ذلك المرجع إحالة رئيسة وبمثابة حلقة وصل للنص. بجانب الإحالات الرئيسة، هناك إحالات أخرى قد تُستخدم، تبعا للموضوع والنقاش في النص، وتُطلق عليها الإحالات الفرعية. يمكننا تحديد المرجع الرئيس في نص ما من خلال كمية الإحالات التي تتم الإحالة إليها. كلما زاد عدد وتوزيع الإحالات في نص معين، يُعتبر مرجع الضمير أكثر بروزا كمرجع رئيس. يتضمن المقطع الأول من الخطبة حمدا وثناءً للّٰه، حيث يتم ذكر مجموعة من الصفات والنعم الإلهية. وبعد ذلك، يكمل التعبير عن الحمد والثناء مع إظهار الخضوع والخشوع أمام الرب وطلب المساعدة منه. في المقطع التالي، تتم الشهادة على وحدانية اللّٰه والاعتراف بتوحيده، مع استعراض آخر لصفات اللّٰه. في هذا المقطع من الخطبة، الإحالة الرئيسة هي إلى اللّٰه جل وعلا، حيث توجد إحالات مختصرة إلى الإنسان، تتجسد دوما في سياق العلاقة مع الرب، ونجد معناها من خلال هذه العلاقة. في المقطع التالي الذي يركز على نبوة النبي محمد (|)، تكون الإحالة الرئيسة هو النبي نفسه، بينما يُعتبر اللّٰه إحالة فرعیة. عند مخاطبة الناس، يُعتبر الناس إحالة رئيسة، بالإضافة إلى الإحالات الفرعیة لمفاهيم، مثل: "رهبة، خشية، تقیة، ويوم"، في وصف لحظات الاحتضار والموت، وسفر الإنسان إلى الآخرة، وبيان مصيره عند دخوله الجحيم أو الجنة. غالبا ما تكون الإحالات موجهة إلى الإنسان، حيث تظهر بأشكال مختلفة، سواء كانت متصلة أم منفصلة، بارزة أم مستترة. إلی جانب الإحالة الرئیسة، توجد بعض الإحالات المختصرة إلى بعض الموضوعات، مثل: "الرب"، وكذلك كلمات، مثل: "حسرة، زفرة، وجهنم"، والتي لا تُعتبر ذات دلالة مقارنة بكثرة الإحالات إلی الإنسان. في جزئي الاستعاذة بالرب، وكذلك في نهاية الخطبة، نجد إحالات أكثر تنوعا تتعلق بمواضيع مثل اللّٰه، والإنسان، والإمام علي (8)، والمخاطبين. ومع ذلك، نظرا لقلة تكرارها مقارنةً بالإحالات إلى اللّٰه والإنسان في الأجزاء السابقة، فإن هذه التكرارات لا يمكن أن يكون لها تأثير كبير، ولا تغيّر بشكل جذري نسبة الإحالات. من خلال دراسة الإحالات الرئيسة والفرعیة، يمكن أن نستنتج أن هذه الخطبة تحتوي على إحالتين رئيسيتين بناءً على المواضيع: في المقاطع الأولى، يكون لفظ الجلالة "اللّٰه" هو الإحالة الرئيسة، وفي المقاطع التالية يكون الإنسان، مع العلم أن تكرار الإحالة إلى الإنسان أكبر. يتم توضيح تواتر هذه الإحالات في الرسم البياني التالي: 4ـ5. الإحالة والاتساق الصوتي من الوظائف الأخرى للإحالة هو إنشاء السجع في نهاية الجمل والعبارات، بحيث يتم تنفيذ هذه الإحالات لتشكيل الموسيقى النصية منتظما. في كل مقطع من هذه الخطبة، تُبنى الهيكلية والتصميم الأساسي على أساس الضمائر، حيث تتحمل شبكة من الضمائر المتشابهة مسؤولية التعبير عن المعنى. في كل مقطع، تتكرر هذه الضمائر المرتبطة ببعضها البعض، دون أن تصبح التكرارات مملة، بل تساهم في خلق جمال وإيقاع مميز. نظرًا إلى أن الأساس الرئيس للإيقاع والموسيقى في هذه الخطبة يعتمد على الضمائر، فمن الصعب تناول جميع ضمائر الخطبة ودورها في إنشاء الموسیقی في هذا المجال المحدود. لذلك، سيتم ذكر أمثلة متنوعة من الضمائر المختلفة ومن أقسام موضوعية مختلفة. في المقطع الأول من الخطبة ـ في حمد وثناء الرب ـ تنتهي 7 جمل، لها هيكل نحوي مشابه، بالضمير المتصل الغائب، والمرجع العام هو "مَن" الذي يحیل إلى اللّٰه: في الجمل التي تحتوي على عدد أكبر من الكلمات، نلاحظ أن الضمير مرة أخرى يعمل كعنصر يساهم في خلق الموسيقى. هذا يمكن أن يعزز التواصل المتناغم للمعاني، ويضيف بعداً جمالياً إلى الخطبة: في جميع هذه الجمل، يحیل الضمير المتصل الغائب إلى الإنسان. ورغم تكراره المنظم في جميع الجمل الخمسة، حيث يتكرر في كل واحدة منها مرتين، إلا أنه لم يؤد إلى أي تكلف، بل ساهم في خلق الموسيقى والتناغم بين المفاهيم: الجدول التالي هو مثال آخر على دور الضمير في خلق الموسيقى والتناسق الصوتي: كما يتبين في الجدول أعلاه، أن جميع الضمائر تحیل إلی كلمة واحدة، أي الإنسان، علی الرغم من اختلاف الحرف الروي في الكلمات التي تسبق هذه الضمائر. مع ذلك، فوجود الضمير لا يخلق التماسك في الجمل فحسب، بل يساهم في إيقاع الجمل وموسيقاها أيضا. الخاتمة توصلت المقالة إلى ما يلي: ـ الإحالة وسیلة من وسائل الإیجاز والاقتصاد في اللغة. فهي تساعد مستخدمي اللغة على حفظ المحتوی مستمرا في الذاكرة، دون الحاجة إلی التصریح به مرات كثیرة. الإحالات النصیة في الخطبة المونقة في الأغلب من نوع القبلیة التي تساعد علی تحقیق الترابط النصي وتكلیف اهتمام المتلقي، كما تساعد القراء علی مواصلة القراءة. ـ تخصيص حوالي ربع الكلمات للضمير في هذه الخطبة أدى إلى عدم تكرار الكلمات وعدم وجود إحالات طويلة في جملها. ـ من بين أنواع الإحالات الضمیریة، فإن استخدام الإحالة النصية القبلیة قد طغی علی مختلف أنواع الإحالات . ـ یسهم الضمیر الغائب أكثر من بقیة الضمائر في تماسك الخطبة وانسجامها، وهو أداة مهمة لتحقیق التماسك النصي في الخطبة، بوصفها وحدة متكاملة. فبفضل هذا الضمیر، تتصل بدایات الخطبة بنهایاتها اتصالا وثیقا. ـ على الرغم من تنوع موضوعات الخطبة، فإن اختيار ضمائر التكلم والخطاب وصيغها، سواء كانت مستترة أم بارزة، مما يحافظ على التماسك دون خلل أو انقطاع. ـ وجود الإحالات إلى المرجعين: اللّٰه والإنسان، جعل هذين المحورين أساسيين في هذه الخطبة. ـ خلق الانسجام وإنتاج الموسيقى هو وظيفة أخرى للإحالة الضميریة في هذه الخطبة، مما جعل الموسيقى تسيطر على الجمل من البداية إلى النهاية، كما ینبغي لها.
[1]. Zelling Harris [2]. Dell Hymes [3]. Halliday [4]. Van Dijk [5]. Ruqaiya Hasan [6]. Reference [7]. Robert De BeauGrande [8]. Dressler | ||
| مراجع | ||
|
شكیب، محمود؛ لیلا قاسمي حاجي آبادي، وسوسن عباسیان. (13٤0ه). «الصورة الفنیة في الخطبة المونقة للإمام علي (8)، اعتمادا علی نظریة سید قطب والتأكید علی الإیقاع». أكادیمیة العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية. س 22. ع 1. ص 191 ـ 219. ــــــــــــــ . (د.ت). الإحالة في نحو النص. القاهرة: كلیة دار العلوم. فضل، صلاح. (1992م). بلاغة الخطاب وعلم النص. الکویت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. ملا إبراهیمي، عزت؛ وبایزید تاند. (1٤01ه.ش). «آلیات انسجام النص القرآني في آیات التعامل بین المؤمنین: سور المؤمنين، ولقمان والحجرات أنموذجا». مجلة بحوث في اللغة العربیة وآدابها. ج 1٤. ع 2٦. ص 10٥ ـ 120. الموسوي، محسن باقر. (2002م). المدخل إلی علوم نهج البلاغة. بیروت: دار العلوم. علیزاده، علیرضا؛ و على عزیزى. (1397ه.ش). «واكاوى فصاحت و بلاغت امام على (ع) بر اساس دو خطبه مونقه و بینقطه». فصلنامه تحقیقات جدید در علوم انسانى. ش 12. ص 1 ـ 1٦. | ||
|
آمار تعداد مشاهده مقاله: 301 تعداد دریافت فایل اصل مقاله: 34 |
||