| تعداد نشریات | 44 |
| تعداد شمارهها | 1,895 |
| تعداد مقالات | 15,387 |
| تعداد مشاهده مقاله | 45,107,121 |
| تعداد دریافت فایل اصل مقاله | 18,090,774 |
الدور الحجاجي للغة في تشکیل صورة المتلقي (الباتوس) في القرآن الکریم على ضوء نظرية ميشال مایير سورة البروج نموذجا | ||
| بحوث في اللغة العربية | ||
| دوره 18، شماره 36، دی 2026، صفحه 1-14 اصل مقاله (642.73 K) | ||
| نوع مقاله: المقالة البحثیة | ||
| شناسه دیجیتال (DOI): 10.22108/rall.2025.145955.1603 | ||
| نویسندگان | ||
| عزت ملاابراهيمي* 1؛ بایزید تاند2 | ||
| 1أستاذة في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة طهران، طهران، إيران | ||
| 2حاصل على الدكتوراه في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة طهران، طهران، إيران | ||
| چکیده | ||
| الحجاج، كأسلوب من أساليب البيان، ينبني علی الاستدلال العقلي والتأثير العاطفي، لدفع المتلقي إلى تعديل سلوكه أو طغيان عواطفه. فهو، وفق مقصديته، يريد الوقع والتأثير منبعثاً من نظريات علمية أو مفاهيم فلسفية أو دينية، لتقبيح فكرة خاصة أو تحسينها. تتبدّى إستراتيجية الباتوس فيما يهدف النص من الوقع والإثارة العاطفية في النفوس، كمعادلة من المعادلات الحجاجية. بناء علی هذا، يختصّ بالباتوس أو حجج المتلقي للسامعين، أي توظيف كل ما من شأنه أن يحرّك مشاعر المتلقي وميوله، وهو فعل التأثير أو مجموعة انفعالات، کرحمة، وكراهية، وغضب، وخوف، وغیرها التي يرغب الخطيب في إثارتها لدی المستمعين. وذلك في ضوء مقاربة تطبيقية للآيات التي وردت في سورة البروج، وفق نظرية ميشال مايير التي تكشف منها نصاً، تتفاعل معه العواطف والمشاعر الروحية التي تتجدد بتجدد نفسيات المتلقين عبر المقامات والعلاقات الخطابية. ولذلك، نجد توظيف كثير من الآليات الحجاجية، واللغوية، والبلاغية، وغیرها في هذه السورة، بغرض التأثير على المتلقين وحملهم على الاستمالة والامتثال لما في الأسلوب الحجاجي من تجسيد الحالات والمقامات والسلوكات المختلفة التي تحرّك عواطفهم. واتّبعنا في کتابة هذا البحث، المنهج الوصفي ـ التحلیلي الذي یقوم علی تحلیل النص، وفق نظریة میشال مایير. توصل البحث إلى عدد من النتائج، منها أن القسم في هذه السورة وسيلة لغرس فكرة التشجيع والتشويق في النفوس، وتشجیع المتلقي على أخذ فكرة الانتقام وتحقيق الحق بفحواه؛ لذلك، جاء القسم كالحجة والبرهان على دعواه بمظاهر شعورية عاطفية، وأنّ ألوان الصور الجمالية الواردة في هذه السورة تتناسب مع مقصودية الخطاب، وتعدّ من أهمّ طرق الاستدلال والمحاجّة في سبيل الوصول إلى الإقناع واستمالة المتلقي. | ||
| کلیدواژهها | ||
| القرآن الکریم؛ الباتوس؛ الحجاج؛ سورة البروج؛ ميشال مايير | ||
| اصل مقاله | ||
الحجاج مظهر قوي لأداء الكلام بأحسن الوجه، وهو المهارة في تخير بين الأصل الجاري والانحراف عن الأصل، بحيث يكون الحجاج الانحرافي مصوراً للمعنى المقصود خير تصوير. إذا تعمّقت النظر، فإن أغلب ضروب الانزياح، كالانزياح المجازي، والانزياح الإيقاعي، والانزياح اللغوي، لا تخلو من قدرة فائقة ذات أثر في جعل المعنى رائعاً خلاباً. فيستقي الانزياح من فاعلية الحجاج وقوّته للتأثير والإمتاع. وفي تعريف آخر، أن الحجاج هو الدفاع عن الفكرة بواسطة الحجج المقنعة. إنّ البحث في القرآن الكريم والتدبّر في معانيه عملٌ لا تنضب مادّته، ولا يقلّ زاده، وجهدٌ لا تضيع مساعيه ولا يخيب رجاء من خاض فيه. فالقرآن الكريم أوسع كتاب على الأرض؛ لأنه يحتوي على أشمل وأكمل وأوسع خطاب؛ ذلك أنّه رسالة اللّٰه إلى العالمين كافة في كلّ زمان ومكان. من أجل ذلك، يكون الخطاب القرآني خطاباً عامّاً في أوسع معنى للعموم والشمول. فهو خطاب اللّٰه تعالى إلى الوجود كلّه (دحمان، 2013م، ص 1). فإنّ القرآن الكريم ذو طابع فكري نفسي حجاجي، ينجم عن الروح الحوارية، معتمداً على الإستراتيجيات اللغوية، من أجل تحقيق الإقناع والاستمالة. يعدّ الخطاب القرآني من أرقى النصوص الذي يخاطب أنواعاً مختلفة من المستمعين، ويسعى وراء تجسيد الأحوال والمقامات المختلفة، بحيث يسعى إلى تغيير المفاهيم والإصلاح؛ ومن ثمّ، فلا بدّ من بنيته اللغوية القائمة على الحجاج والسلطة اللغوية. فالخطاب القرآني في سورة البروج يزخر باللغة الحجاجية، بفضل تعدّد الحالات وتنوّع المقامات فيه. يهتم ميشال مايير[1] كأحد منظري الحجاج، بالخطيب اهتماماً كبيراً، حيث يجعله محلّ العارف المتيقن الذي تزخر نفسيته بالقوة والتأثير الهائل؛ فلا بدّ من التأثير على المخاطب وتثبيت ما تحتويه نفسيته من الشعور والإحساس. ولبيان ذلك، سيتمّ الاهتمام بمجموعة من الآليات الحجاجية الناجمة عن الباتوس المستخدم في سورة البروج، لكي يبرز من خلالها أهم الحالات اللغوية غير المباشرة التي لها دور هامّ في كشف الستار عما وراء اللغة الملائمة بالتأثير والتفاعل الوجداني. 1ـ1. أسئلة البحث حاولت الورقة من خلال هذا البحث، الإجابة عن السؤالين الآتيين: ـ ما أهم الآليات الحجاجية للخطاب قرآني في سورة البروج، معتمداً على أسلوب الباتوس؟ ـ ما أهمّ الآليات الحجاجية الموظفة في سورة البروج لتحقيق الاستمالة والتأثير، معتمدا على نظرية ميشال مايير؟ 1ـ2. خلفية البحث هناك دراسات كثيرة حول التداولية وأثرها في خلق الفعل والتأثير، بحيث لا نكاد نحصل عليها لكثرة عددها؛ ولكن أهم الدراسات والرسائل التي کانت موجودة لهذا المفهوم تأتي على الترتيب التالي: رسالة تجلیات الحجاج فی القرآن الکریم: سورة يوسف أنموذجا (2013م) لحياة دحمان. تناولت فيها الباحثة أهمّ الآليات الحجاجية الموظفة في سورة يوسف، والتي تؤدّي إلى الإقناع في نفسية المتلقي. ورسالة الأسلوب الحجاجي في القرآن الكريم: سورة الكهف أنموذجا (2015م)، لسهام سماح ونوال سماح. تناول الباحثان في بداية الأمر موضوع الحجاج في الفكرين العربي والغربي قديماً وحديثاً، ثم تطرّقا إلى أهم الآليات والأساليب الحجاجية الموظفة في سورة الكهف. ورسالة الحجاج في النص القرآني: سورة الأنبياء أنموذجا (2013م)، لإيمان درنوي. لقد كانت حدود هذا البحث عند الآليات الحجاجية، ولم تمتد لدراسة التداولية بأكملها، حيث تناول الآليات الحجاجية الموظفة في القرآن بغرض التأثير والاستمالة. ومقالة البعد التداولي للنسق الحواري في القرآن الكريم: مقاربة معرفية حجاجية (2018م)، لعبد الرحمن محمد طعمة. تعالج هذه الدراسة الحجاج، ثم تنتهي بنموذج تطبيقي لتحليل محاورة موسى (8) وفرعون المتمثلة في آيات صدر سورة الشعراء، مع رصد أهم الجوانب التداولية والحجاجية من خلالها. ودراسة أساليب الإقناع في سورة لقمان: دراسة تداولية (2017م)، لسناء هادي عباس وساهرة عدنان وهيب. اهتمّ الباحثان في هذا المقال بموضوع الأفعال الكلامية، والملفوظ، والعامل، والصورة الحجاجية، والاستلزام الحواري في سورة لقمان، وما لها من تأثير في الاستمالة والإقناع. ولكن ما يميّز هذا البحث من الدراسات الأخرى، هو تناول موضوع الباتوس في سورة البروج الذي يرتبط بالخطاب والخطيب وما له من القدرة على التأثير والوقع في نفسية المتلقي منبعثاً من العلاقات الخطابية. هكذا، تميّزت هذه الدراسة باستخدام أساليب الحجاج، حيث يقف المتلقي على عناصر جديدة أو مؤثرة عند اتصاله بالنص؛ فلا بدّ من التأثير والوقع، كما يواجه أيضا جماليات الانسجام والتلاحم بين بنية الآيات من خلال آيات سورة البروج.
الحجاج لغة مأخوذة من "ح ج ج". قال ابن منظور: «حاججته أحاجه حجاجا ومحاجة، حتى حججته، أي غلبته بالحجج التي أدليت بها، والحجة، والدليل، والبرهان» (1994م، ج 2، ص 799). والحجاج مرادفة للدليل. والحجة الإلزامية هي المركبة من المقدمات المسلمة عند الخصم، والمقصود منها إلزام الخصم وإسكاته، وهي شائعة في الكتب. والقول بعدم إفادتها الإلزام لعدم صدقها في نفس الأمر، قولٌ بلا دليل، لا يعبأ به (التهانوي، 1996م، ج 1، ص 622). تشدّد التيارات التداولية على أنّ سلوك الأفراد إزاء الخطاب مرهون بحجة صاحبه، أي المتلفظ به، وكذا على المشروعية المرتبطة بالمنزلة المعترف بها له. إنّ ما يدعى بـ"التفكير بالحجة" هو تحديدا التفكير، حيث تتأتى قيمة الجملة من حجة صاحبها (مانغونو، 2008م، ص 12). فالحجاج يبرز قوّة الأثر الأدبي، حيث يؤدّي إلى تحقق الشيء بأكمله، لما فيه من بروز الانفعالات النفسية الناجمة عن التجارب الروحية. الحجاج هو من نتائج التداولية ومحور اهتمامها، وهو منبعث عن داخل نظرية أفعال الكلام التي وضع أساسها أوستين وسرل. وكل الخطاب الحجاجي تبرز فيه القصدية والفاعلية والتأثير و.... والحجاج أسلوب عقلي، يستعمله الإنسان، للدفاع عن قضيةٍ ما بغية قصد إقناع خصمه ومناهضه، أو للتعقيب على رأي مخالف من أجل دحضه، أو تسلط الصمت علی المتلقي. والمقصود بالحجج هي الأدلة والبراهين. وكل ما دفع به الخصم يعتبر حجة ما عدا العنف والإكراه. ويدلّ الحجاج أيضاً على مجموعة من التقنيات الكلامية التواصلية الموجهة إلى المتلقي، من أجل حمله على القبول والاستقبال والانخراط في المعنى المعروض عليه. وفي تعريف آخر، أن الحجاج هو الدفاع عن الفكرة بواسطة الحجج المقنعة. وقد ميّز أرسطو بين ثلاث مستويات من الحجج: ـ الإيتوس[2]، الباثّ / الخطيب: يصف الخصائص المتعلقة بشخصية الخطيب والصورة التي يقدّمها عن نفسه؛ ـ الباتوس[3]، المتلقي / المستمع: ويشكل مجموعة من الانفعالات، يرغب الخطيب في إثارتها لدى المستمعين؛ ـ اللوغوس[4]، الرسالة / الخطبة: ويمثّل الحجاج المنطقي الذي يمثل الجانب العقلاني في السلوك الخطابي، فيرتبط بالقدرة الخطابية على الاستدلال والبناء الحجاجي (1986م، ص 29 ـ 30). بشكل أوسع، ينظر محلّل الخطاب في الشروط التي تجعل الخطاب ذا حجة، أي الإبانة عن السياق الذي يجعل الخطاب مشروعاً وفعالاً: منزلة المشاركين في التخاطب وطبيعة الإطار المكاني والزماني تلعبان دوراً أساسياً (طروس، 2005م، ص 15). والحجاج يستمدّ وجوده وفعاليته من مرجعيته المصدرة إياه (المرسل)؛ لأنه يتمحور غالباً على ما يحمله المرسل من فضاء فكري فردي أو جماعي؛ وعليه، فإن الخطاب، مهما كان ينحو نحو البعد الإنساني الذي يستعمل الأفق المعرفي في التواصل مع الآخر، فإنه يقوم بنقل رؤاه، عندما يجد أن عليه أن يكون مؤثرا في الآخر بغية استمالته، وجعله يشاركه هذه الرؤى. فالباعث والمحرك له قضية لا يقينية مختلف عليها (صادق، 2015م، ص 18)؛ ولهذا، فإن وظيفة الخطاب الحجاجي[5] يعتمد على الأدوات اللغوية والأساليب البلاغية، من أجل بيان المعنى المطابق لمقاصد المتكلم. والمراد تبليغه للمخاطب أو إقناعه به، أي من أجل أداء وظيفة إقناعية استدلالية. أما الغرض الذي يدور حوله الحجاج، فهو الإقناع. ففي الخطابات الحجاجية، يتّجه المرسل بخطابه نحو الأثر التداولي (الإقناع)؛ ومن هنا، يكون الإقناع هو مجال المبحث الحجاجي (بلخير، 2003م، ص1 20). وإذا كان الإقناع هو الهدف الأساسي للحجاج، فلا بدّ من اللجوء إلى الوسائل الاتصالية المؤثرة، كالوسائل اللغوية والاستدلالات المنطقية، بقصد فوران عطش التأثير في المتلقي.
يعدّ الحجاج نظرية غربية حديثة، تناولت من جانبين: جانب تداولي، وقد ظهر ذلك من خلال أعمال ديكرو، وجانب بلاغي مع بيرلمان[6]. لقد وضع هذان العالمان أساس النظرية الحجاجية، رغم اختلاف توجههما، علماً أنّ البحث الحجاجي له جذوره القديمة التي تمتدّ إلى اليونان، وبالتحديد إلى أرسطو الذي أرسى معالم الدرس الحجاجي؛ ولذلك استفاد الدرس الحجاجي الحديث من التراث اليوناني القديم، فحاول انبعاثه من جديد في ثوب جديد، ألا وهو النظرية الحجاجية (دحمان، 2013م، ص 56). لقد شكّل الحجاج في العصر الحديث حلقةَ وصل بين علوم شتّى، تتجاذبه، منها: البلاغة، والتداولية اللتان اهتمّتا بهذا المبحث من منظور زاويتين مختلفتين، بحيث كانت لكل واحد منهما طريقته وآليته الخاصة في الدراسة المستندة إلى وجهة النظر للموضوع والمنطلق، سواء أكان تداوليا أم بلاغيا. وسنعرض جهود أهم الباحثين وإسهامهم في إثراء الدرس الحجاجي من أمثال بيرلمان وزميله تيتيكا في مصنفهما عن البلاغة الجديدة، وديكرو وأنسكومبر في التداوليات المدمجة، وميشال مايير في نظرية المساءلة، وتولمين في مشروعه الحجاجي.
3ـ1. الحجاج عند بيرلمان لقد أدار كل من بيرلمان وتيتيكا[7] أطر الحجاج على حده وتعريفه موضوعاً وغاية. ويقدّم بيرلمان تعريفا للحجاج، يجعله جملة من الأساليب، تضطلع في الخطاب بوظيفة، هي حمل المتلقي على الاقتناع بما نعرضه عليه أو الزيادة في عمق ذا الاقتناع، معتبراً أنّ غاية الحجاج الأساسية إنما هي الفعل في المتلقي على نحو، يدفعه إلى العمل أو يهيّئه للقيام بالعمل (الدريدي، 2011م، ص 21). هكذا، يساهم الحجاج في قدرة المعنى وفي بثّه بأبرز الصورة الممكنة. وقد تستخدم تقنياته لتزيد التنفير والترغيب في الكلام، وذلك من خلال استخدام أساليبه ومناهجه المختلفة. 3ـ2. نظرية الحجاج في اللغة عند ديكرو إن هذه النظرية التي وضع أسسها اللغوي الفرنسي، أوزفالد ديكرو منذ سنة 1973م، نظرية لسانية، تهتمّ بالوسائل اللغوية وإمكانات اللغة الطبيعية التي يتوفّر عليها المتكلم، وذلك بقصد توجيه خطابه وجهة ما، تمكّنه من تحقيق بعض الأهداف الحجاجية، ثم إنها تنطلق من فكرة، مفادها أننا نتكلم بقصد التأثير (العزاوي، 2006م، ص 14). قد رأی ديكرو أنّ التسلسلات الحجاجية الممكنة في خطابٍ ما ترتبط بالبنية اللغوية للأقوال، وليس فقط بالأخبار التي تشتمل عليها (المصدر نفسه، ص 16). 3ـ3. الحجاج عند ميشال مايير الحجاج، على أساس رؤيته، مرتبط ارتباطا وثيقا بطرفي الخطاب، وخاصة ما يتعلق بالحوار وتساؤلات جدلية، تفضي إلى الإقناع واستمالة النفوس؛ لذلك، وظّف الكثير من الأساليب الحجاجية المنبعثة من البلاغة، إضافة إلى العلاقات الخطابية. وفيما يتعلق ببنية الصور البلاغية، نجده يعطيها دوراً كبيراً في جذب السامع وتحريك خياله، حتى يستوعب الأفكار والصور المقدمة إليه. ومن أهم هذه الصور البلاغية عنده هو المجاز؛ إذ هو «الذي يخلق المعنى، ويهدم كل من لا يشاطر المتكلم وجهة نظره، وهو إلى ذلك طريقة التعبير عن الأهواء والانفعالات والمشاعر التي هي صور من الإنسان، مثلما يكون المجاز صورة من الأسلوب» (الأمين، 2008م، ص 136). وما يحتفظ به مايير من مقومات هذه الخطابة، تلك العلاقة الثنائية المؤسسة، أي علاقة المتكلم بالمخاطب حول مسألة ما، مختزلاً بذلك الوسائل التي تتمّ بها استمالة المخاطب وإقناعه. وهذه العلاقة الثنائية ـ في رأيه ـ ذات أسس عقلية فكرية، بحيث تكون للخطيب طاقة تأثيرية من جهة، وثقافة عميقة ووعي بمستويات مخاطبيه وأهدافهم من جهة ثانية. ويكون مايير بذلك قد أعلى من شأن المتكلم بإحلاله محل العارف المتيقّن الذي سوف يكسب المخاطب مصداقية ونجاعة، ويحمل المخاطب على تصديق ما جاء به (دحمان، 2013م، ص 84)؛ لذلك، يهتمّ ميشال مايير، كأحد منظري الحجاج، بالخطيب اهتماماً كبيراً، حيث يجعله محلّ العارف المتيقن الذي تزخر نفسيته بالقوة والتأثير الهائل؛ فلا بدّ من تأثيره على المخاطب وتثبيت ما تحتويه نفسه من الشعور والإحساس. وقيام الحجاج عند میشال مایير على قسمين: صريح، وضمني؛ وعند غيره من الحجاجيين من المهتمين بقضايا الخطاب، هو الذي يجعله ذا صبغة حوارية، أي مسرحا تتحاور على ركحه الأطراف وتتفاوض؛ وآية ذلك أن الكلام بانقسامه عن التخاطب إلى صريح وضمني، يكون نصفه للمتكلم وهو النصف المصرح به، ونصفه للسامع وهو النصف الضمني (صولة، 2007م، ص 37). أما القسم الذي يكاد مايير يختص به في صياغته لمفهوم الحجاج، فهو القسم المتعلق بربط الحجاج بنظرية المساءلة. فما الحجة عنده إلا جواب أو وجهة نظر، يجاب بها عن سؤال مقدر، يستنتجه المتلقي ضمنيا من ذلك الجواب. ويكون ذلك بطبيعة الحال في ضوء المقام وبوحي منه (القارصي، 1998م، ص 394). إنّ مايير في دراسته للبلاغة والحجاج ينطلق من جدلية اللغة والمعنى؛ «إذ ليس دور الحجاج إلا استغلال ما في الكلام من طاقة وثراء. إنّ الكلام، وهو يطرح الأسئلة، لا تغيب عنه الأجوبة المتوقعة. وهذا مطمئن، لكنه مخادع أيضا» (الأمين، 2008م، ص 130). فإنّ الصورة البلاغية، وتحديدا التشبيه المجمل أو البليغ أو الاستعارة، تمثّل عند مايير الفكر في جوهر حركته الاستفهامية، وذلك فيما توفره من طاقة إقناعية هائلة، حين تجعل المتلقي يستنتج أمراً، وهو يجيب عن السؤال المطروح، فيتقيد به؛ إذ ما يستنتجه بنفسه، يصعب عليه فيما بعد ردّه (الدريدي، 2011م، ص 121). وهو يعالج علاقة البلاغة بالحجاج، وهما على بعد مسافة واحدة، انطلاقا من تحليله، لفكرتين أساسيتين: بنية الصور البلاغية ثم العلاقات الخطابية. من خلال هذه النظريات السابقة، يمكن وصف الحجاج بأنه من الوسائل التي تعمل على الربط بين عناصر النص، ويتفاعل مع العناصر المحيطة بالنص، ومن شأنه أن يجعل الكلام مقبولاً مؤثراً، حتى تبلغ الرسالة لمتلقيها مقنعة متسقة، ليستوعب كل ما يريد الكاتب من المقصود برمته.
لا تقتصر حدود الإقناع على المخاطب، بل تمتدّ إلى الطرف الثاني، أي السامع، حيث يمثّل الطرف المتلقي. فالانفعالات التي يحدثها المتكلم في المستمع، تساعده على تقبل ما سيقوله. فهذا النوع من الحجج يهتم بإثارة العاطفة، ومخاطبة الوجدان، وحمل السامع على الإذعان، والتسليم للفكرة التي يدعو إليها الخطيب (بن يحي وزدام، 2022م، ص 21). هكذا، الباتوس يتعلق بإثارة عواطف المتلقين، من أجل الإذعان لما يلقى عليهم والاقتناع به. فالخطيب الناجح هو القادر على إثارة انفعالات السامع من أجل استغلال ذلك في عملية الإقناع، حيث إنّ التركيز على انفعالات المتلقي غالبا ما يثير شفقته أو خوفه أو أحكامه المسبقة (السعدي، 2024م، ص 224). بعد الخطيب، يأتي السامعون. والكلام على الباتوس يمكن أن يعني أنّ السامعين لا يقوم لهم قيام إلا بوصفهم ذوي أهواء؛ ولكن الشأن ليس كذلك بالضرورة. فإذا كان الإيتوس يحيل على الأجوبة، فإنّ الباتوس هو منبع الأسئلة. وتعكس هذه الأخيرة مصالح عدة، تبينها الأهواء والانفعالات أو الآراء بكل بساطة، بيد أن من المناسب بيان ما ينبغى أن يفهم بـ"الهوى" في البلاغة (مايير، 2021م، ص 33). على هذا الأساس، فإن التداخل بين الانفعالات المتضّادة، كالخوف والرجاء والحب والبغضاء و...، ينتج الوقع المضاعف في نفسية المتلقي، والذي يخلق من خلاله تمثّل الحركة المقترنة بالهوى والعاطفة. زبدة الكلام، أن الباتوس هو البعد البلاغي الذي يتضمن: ـ مسائل السامعين؛ ـ العواطف التي تنتابهم أمام تلك المسائل وأجوبتها؛ ـ القيم التي تعلل في نظرهم تلك الأجوبة عن تلك الأسئلة.
هذه السورة مكيّة، وآياتها 22 آية. سمّيت بسورة البروج، لاستفتاحها بقسم اللّٰه تعالى ببروج السماء. فإنّ اسم هذه السورة يوحي بقدرة اللّٰه تعالى الذي تشهد البروج بأثر من آثاره. فمقصود السورة يدور حول تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى الكفّار، وتذكيرهم بما جرى على السابقين من التعذيب وما لحق بهم من الآذى، حتى يصبروا على إيذاء قريش لهم. فثبات أهل الإيمان من السابقين فيه ما يكفي «لتسلية المؤمنين وتثبيتهم، وتوعيد الكافرين وتوهيتهم وتفتيتهم» (البقاعي، 1404ه، ص 353). ومن ثمّ، فقد ساقت السورة الأدلة على قدرة اللّٰه تعالى عليهم. فهو تعالى لم ولن يترك أولئك الطغاة وأمثالهم دون عقاب، وسيجازي المؤمنين الصابرين خير جزاء. فمظاهر الحجاج في هذه السورة کما یلي: 5ـ1. الحجاج بالتصدير ويقصد به تصدير الفكرة مسبوقا لنص ما، حتى يتهيّأ المتلقي لاستقبالها، ويتشوّق إلى سماعها. وغالبا ما، يأتي في مقدمات السور (حنفي، 2017م، ص 3901): «وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ! وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ! وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍª (البروج 85: 1 ـ 3). الغرض من هذه السورة تسلية النبي من الإيذاء والوجع الروحي. فلا بد أن تذكر صورة ماضية أشدّ ألماً. أقسم اللّٰه تعالى في مطلع هذه السورة بمخلوق من مخلوقاته، هي السماء، لكي يجسّد من خلالها عظمة الكون وانسجامه وقدرة خالقه. وعليه، فإنّ هذه البروج تشهد بتنظيم محكم، لا يقدر عليه إلا خالق عظيم. كما يبدو أنّ مطلع السورة يهيّئ المتلقي لاستقبال العذاب والنقمة، لمن ينكر عظمة اللّٰه، بحيث يكشف الستار عمّا وراء هذا البطش الشديد. الغرض من تكرار هذه الحالة المليئة بالتهويل والعظمة والتنبيه هو التيقظ والصحو الوجداني؛ لذلك، هذا مطلع رائع، يناسب موضوع السورة الكريمة. ترسيم السلم الحجاجي من خلال الآيات السابقة والسماء ذات البروج (الحجة في حد أدنى) السلم الحجاجي واليوم الموعود (الحجة في حد وسط)
وشاهد ومشهود (الحجة في حد أعلى) كمال الاستدلال العاطفي هكذا، يرى ميشال مايير أنّ المسألة تكمن في الاختلاف بين ممارسة المعاني المشتركة وامتداد الافتراضات الاحتمالية للوصول إلى كمال الاستدلال العاطفي. كما يبرز أسلوب التشجيع لسماع القصة في ثنايا هذه الآية: «هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِª (البروج 85: 17)، كما يبدو ساق الحجاج على قدرة الكلمات على إعادة الجولان العاطفي بعد إخماده.
5ـ2. الحجاج بالقوة هو ما يعرف بالتهديد أو شكل من أشكاله الذي يرمي إلى حصول منفعة من المخاطب بالإكراه. «إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ! إِنَّ بَطْشَ رَبَّكَ لَشَدِيدٌª (البروج 85: 11 ـ 12). تأتي هذه الآية بعد أن بثّ اللّٰه تعالى خبر أصحاب الأخدود. فلا بد من الإتيان بهذه الآية المقترنة بالتهديد والقوة، بعد أن يسمع أنين أحبّا اللّٰه وأصفيائه، فيقال: إنّ فئة من المؤمنين السابقين على الإسلام ابتلوا بأعداء من الكفار، راودوهم للارتداد عن دينهم، فأبى المؤمنون، فشقّ الكافرون أخدوداً في الأرض، «وقذفوا فيها النار، وقعدوا حولها، وفتنوا المؤمنين، وعرضوهم عليها. فمن استجاب لهم أطلقوه، ومن استمر على الإيمان قذفوه في النار، وهذا في غاية المحاربة للّٰه ولحزبه المؤمنين؛ ولهذا، لعنهم اللّٰه» (السعدي، 2024م، ص 108). كأنّ هذه الآية تأمر المؤمنين بالتحلّي بالصبر وعدم التعجّل. كما يبدو من خلال هذه الآية، يستمد الحجاج القوة من التأكيد، لكي يبرز قدرة اللّٰه على انتقام أعدائه الذين ظلموا عباده. فالتعقيب على هذا الحادث، هو ما هدف إليه النص القرآني، في خطابه للقلوب المؤمنة في مكة، ولكل المؤمنين الذين يتعرّضون للفتنة. فمن أبرز الخصائص الفنية للقصة القرآنية ذِكر القصة بأغرب مشهد فيها، لجذب انتباه المتلقي وتشويقه إلى الكشف عن مغزاها. فالتشويق أمر أساسي في القصة، فينبغي أن يتجلى بأبهى مظاهره في مطلعها، حتى ينشدّ القارئ إلى متابعة حلقاتها، ويفتح آفاق ذهنه وجوانب نفسه إلى استطلاع أغراضها ومقاصدها. وكلمة البطش تدلّ على الشدة. والبطش كلمة مخيفة ومرعبة، بحيث تبرز مظاهر القوة والجبروت. ويستأنف السياق القرآني في تسلية النبي، بإظهار عظمة اللّٰه تعالى في قدرته على الانتقام من الطغاة، إذا ما أراد بمشيئته. كما تلاحظ مظاهر القوة والسلطة من خلال هذه الآية: «الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللّٰه عَلَى کُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌª (البروج 85: 9). يقول الزمخشري حول عبارة «لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِª: «فكل من فيهما تحقّ عليه عبادته والخشوع له، تقريرا لأنّ "وما نقموا منهم" هو الحق الذي لا ينقمه إلّا مبطل منهمك في الغيّ، وأنّ الناقمين أهل لانتقام منهم بعذاب لا يعدله عذاب. «وَاللّٰه عَلَى کُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌª وعيد لهم، يعني أنه علم ما فعلوا، وهو مجازيهم عليه» (1998م، ج 6، ص 349). فما تثيره هذه الآية المقترنة بالقوة والدلالة التامة من الشعور بقوة اللّٰه تعالى والرهبة والهلع من هول القوة الربانية، في الشمول والتلاطم الخطير الذي لا يقاوم أمامه حول ولا قوة؛ لذلك، ينتقل هذا النوع من الآيات المشاعر إلى مقام الوعيد لأمثال أولئك من عذّبوا المؤمنين. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللّٰه عَلَى کُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ الحجج الضمنية للآية (هو صاحب الجزاء والانتقام)
(كمال القدرة للّٰه تعالى) (اللّٰه صاحب إرادة كونية قدرية) (الأمر كله بيد اللّٰه تعالى) وبالنسبة للروابط الحجاجية في الآية: «إِنَّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌª (البروج 85: 12)، فالتوكيد بالأداتين "إنّ / اللام" يدعم المفهوم، بحيث يعدّ من الحجّة المقترنة بالشدة المفضية إلى الإقناع والاستمالة. وفي الآية: «وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ! وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ! وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍª (البروج 85: 1 ـ 3)، أقسم اللّٰه تعالى بالسماء؛ لأنّ كل جبّار وعبد يريد أن يعتزّ بنفسه، ويرفع رأسه إلى السماء، فإنّ العين تعود خائبة وحسيرة. الأقسام فيها نوع من التنوع وإظهار القوة بنوع، يبثّ نوعا من التخويف والتهديد والإخافة. هكذا، كما يبدو، السورة بدأت بالقسم بالسماء. والسماء كل ما علا وارتفع. ذكر اللّٰه تعالى في النهاية كلاماً عن القرآن وعظمه؛ لذلك، تظهر القوة والعظمة من بداية السورة إلى نهايتها. الروابط الحجاجية من خلال هذه الآيات السابقة تلاحظ في عوامل الحجاج، كواو العطف التي تقرر المضمون، وتكثّف دائرة الوقع والتأثير، حيث يرغب المتلقي في سماع السورة أكثر فأكثر من خلال هذا التنضيد اللغوي المقرون بالقسم، كما يريد أن يثبت شيئا ما معتمدا على هذا الأسلوب التعبيري. كما نرى نوعا من القوة والشدة في استعمال الآية: «وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِª (البروج 85: 2)، حيث لها دلالة القوة. يوعّد هؤلاء الناس الذين يريدون أن يرتكبون الفظائع والجرائم، بأنهم في يوم من الأيام تبعثون. هكذا، نشاهد مظاهر القوة والشدة في قوله تعالى: «إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُª (البروج 85: 13). يبدئ البطش ويعيده، يعني يبطش بهم في الدنيا وفي الآخرة، «أو دلّ باقتداره على الإبداء والإعادة على شدة بطشه، أو أوعد الكفرة بأنه يعيدهم، كما أبدأهم ليبطش بهم؛ إذ لم يشكروا نعمة الإبداء، وكذّبوا بالإعادة» (الزمخشري، 1998م، ج 6، ص 351). 5ـ3. الحجاج بالتناسب «مناسبة القسم لما أقسم عليه، أن المقسم عليه تضمن العبرة بقصة أصحاب الأخدود ولما كانت الأخاديد خطوطة مجعولة في الأرض مستعرة بالنار. أقسم على ما تضمنها، بالسماء بقيد صفة من صفاتها التي يلوح فيها للناظرين في نجومها ما سماه العرب بروجا، وهي تشبه دارات متلالئة بأنوار النجوم اللامعة الشبيهة بتلهب النار. والقسم بالسماء بوصف ذات البروج يتضمن قسماً بالأمرين معاً، لتلتفت أفكار المتدبرين إلى ما في هذه المخلوقات. وهذه الأحوال من دلالة على عظيم القدرة وسعة العلم الإلهي؛ إذ خلقها على تلك المقادير المضبوطة، لينتفع بها الناس في مواقيت الأشهر والفصول. وأمّا مناسبة القسم باليوم الموعود؛ فلأنه يوم القيامة باتفاق أهل التأويل؛ لأنّ اللّٰه وعد بوقوعه، مع ما في القسم به من إدماج الإيماء إلى وعيد أصحاب القصة المقسم على مضمونها، ووعيد أمثالهم المعرّض بهم» (ابن عاشور، 1984م، ج 31، ص 237). إن المناسبات بين الآيات القرآنية بعضها ببعض أو ظاهرة الانسجام اللغوي، تزيد في التعميق الفكري، وتثري الخصوبة الفنية، لما فيها من العلاقات المعنوية في الربط بين المناسبة الآية للآية المجاورة لها. فيلاحظ التناسب بين ثنايا هذه السورة الذي يثير عواطف المتلقي، بحيث تذوب نفسيته من خلال هذه الظاهرة، وذلك مثل قوله تعالى: «وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍª (البروج 85: 3)، أو: «وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌª (البروج 85: 7). هذا من باب الانسجام القرآني، يأتي في الآية الأولى بالمعنى بشكل القسم الكلي، ثم مرة أخرى يعيده، ولكن بوجه آخر؛ لذلك، يعدّ القسم وسيلة من وسائل تبرير الشهادة المبصرة، حيث لا يخرج من هذا شيء؛ لذلك، كيف يظنّون أنّهم يفلتون من قبضة اللّٰه. وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ / وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ الحجاج سبب الحجاج (التناسب ) (علاقة التناسب)
5ـ4. الحجاج بالمزواجة تعدّ المزواجة بين الترغيب والترهيب في زمرة هذه الظاهرة. فأمثلة ذلك كثيرة الوقوع في القرآن الكريم، تكثّف دائرة الانسجام القرآني، وتشدّ المتلقي إلي الأمام، لما فيه من الجذبة الحجاجية، مثال ذلك في السورة قوله تعالى: «وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُª (البروج 85: 14). هذا من باب المزواجة القرآنية، يأتي بالمعنى، ثم يعيده مرة أخرى، ولكن بشكل آخر، أو يأتي بالرجاء، ثم الخوف، أو بالترغيب، ثم الترهيب، أو بالجنة، ثم النار، لكي تستوعب المعنى من كل جهاته، وتبعث نوعا من الاتّزان والانسجام المقترن بالحجاج في فهم الحقائق. هكذا، يرى مايير أن المسألة تكمن في ذلك الاختلاف بين ممارسة المعاني المتضادة وامتداد الافتراضات الاحتمالية التي تؤدّي إلى تشكيل كمال القدرة العاطفية المفضية إلى الإقناع والتأثير المضاعف. 5ـ5. الحجاج بالطباق يعرف الطباق بأنّه الجمع بين المتضادين أو المعنيين المتقابلين في الملفوظات. والمطابقة في الكلام هي الجمع بين الشيء وضده في جزء من أجزاء الرسالة أو الخطبة، مثل: الجمع بين السواد والبياض، والليل والنهار، والحر والبرد وغیره (العسكري، 1989م، ص 16)، مثال ذلك قوله تعالى: «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ! إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ! وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُª (البروج 85: 12 ـ 14). كما نلاحظ من خلال الآيات السابقة، أن الطباق يظهر في المعنيين البطش / الرحمة. في هذا الطباق قيمة حجاجية، تكثّف دائرة التأثير والوقع، لما في ذلك تأكيد لزيادة تقرير المفهوم. فالجمع بين هذه المعاني المتضادة يدعم الربط الحجاجي، ويخدم حجة واحدة، بحيث يثبت المعنى الواحد بوجوه مختلفة، لكي تظهر عملية الإقناع والتأثير. فضلا عن ذلك، يساهم هذا الأسلوب في توضيح المعنى وتأكيده؛ فالأشياء تعرف بأضدادها. هكذا، ترسم المعاني الضمنية المفضية إلى الحجاج، من خلال الآيات السابقة كالآتي: المعاني الضمنية للآيات الانتقام الشديد لا حدّ له
الرحمة المطلقة لاحدود لها القدرة المطلقة لا حدود لها 5ـ6. الحجاج بالسبب والنتيجة ذلك مثل قوله تعالى في هذه الآيات: «إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ! إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذٰلكَ الْفَوْزُ الْکَبِيرُª (البروج 85: 10 ـ 11)، لما ذكر اللّٰه تعالى عقاب المجرمين وذكر ثواب المؤمنين. وهذه الطريقة الشائعة في القرآن الكريم في ما يراد به الترهيب والترغيب، تذكر في القرآن الكريم المعاني المتقابلة، حيث يذكر فيه عذاب أهل النار ونعيم أهل الجنة، من أجل أن يكون الإنسان بين الخوف والرجاء. فضلاً عن ذلك، تلاحظ قاعدة السبب والنتيجة من خلال ثنايا هذه الآيات. فللذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ونعيم؛ فالسبب هو الإيمان والعمل الصالح؛ والنتيجة هي حصول السعادة والرضوان؛ لذلك، يحقّق الحجاج المقترن بالتثبيت والتوقيع من خلال هذا الترتيب المتناسب. وفي "ذٰلكَ الْفَوْزُ الْکَبِيرُ"، أشير إلى كلمة "الفوز" بقوله "ذلك"، بدلاً من "هذه"، للدلالة على عظمة الفوز وعلوّه وارتفاعه. يمكن تمثيل هذه العلاقة حجاجيا كما يلي: السبب النتيجة (إحراق المؤمنين وعدم التوبة) (دخول عذاب جهنّم) (الإيمان والعمل الصالح) (دخول الجنّة والرضاية النفسية) (تحقيق العمل وتثبيته) (الجزاء بمثل العمل) 5ـ7. الحجاج بالسجع والموازنة ذلك مثل تكرار الرنين المشترك في الآيات التالية: «وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ! وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ! قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ! النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ! إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌª (البروج 85: 2 ـ 6). هكذا، تكثّف هذه الموازنة الإيقاعية دائرة القدرة الإلهية، لما فيها من جلاء وبهاء، كانّه أراد بذلك أن يثبت فعل كل شيء، ولن تجد أحداً أن يفعل كل شيء إلّا أن يكون اللّٰه تعالى. كأنّ الموازنة من بين ثنايا السورة تؤكد حصول كل مطلوب وزوال كل مكروه.
تستخدم فيه الوسائل اللغوية، مثل: التراكيب الدالّة على الثوابت والحقائق والتأكيد. والأساليب الإقناعية المنطقية، مثل: الشرط، والاستثناء، والترقي في الحجاج حسب درجاته اللغوية، وبناء الجمل على هيئة قضايا منطقية، تبدأ بمقدّمات، وتنتهي بمسلمات (طعمة، 2018م، ص 103)؛ لذلك، وظيفة اللغة الأساسية ليست هي الوظيفة الإخبارية، بل هي الوظيفة الإقناعية الحجاجية. فإنّ الاستعارة والتمثیل والاستفهام والحذف والتأكيد وغیرها هي وسائل بلاغية، من حيث إنها تساهم في الإمتاع والتأثير؛ ولكنها أيضاً حجاجية، من حيث إنها تعبّر عن الحجج بطريقة مركزة، مع جعلها أكثر تأثيراً. فسنحاول الآن أن نبيّن تجلياتها في سورة البروج، وندرس وظيفتها الحجاجية كما یلي: 6ـ1. الاستعارة إذا كان بيرلمان يرى في الخطاب الاستعاري أكثر حجاجية من الخطاب العادي، نجد الجرجاني قد سبقه في هذا القول، ويرى أنّه أكثر إقناعاً وأبلغ تأثيراً (رزقي، 2017م، ص 43)، مثال ذلك في سورة البروج قوله تعالى: «قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِª (البروج 85: 4). فصيغة هذه العبارة تشعر بأنه إنشاء، وشتم لهم، وخزي وغضب، وهؤلاء لم يقتلوا. ففعل "قتل" ليس بخبر، بل شتم، نحو: قوله تعالى: «قُتِلَ الخَرَّاصُّونَª (الذاريات 51: 1)، وقولهم: قاتله اللّٰه. «وصدوره من اللّٰه يفيد معنى اللعن، ويدلّ على الوعيد؛ لأنّ الغضب واللعن يستلزمان العقاب على الفعل الملعون لأجله. وقيل: هو دعاء على أصحاب الأخدود بالقتل. والقتل مستعار لأشد العذاب، كما يقال: أهلكه اللّٰه، أي أوقعه في أشد العناء» (ابن عاشور، 1984م، ج 30، ص 240). الاستعارة، وفق نظر ميشال، هي الصورة التي تمثّل أحسن تمثيل الهوية الضعيفة، حيث تدعو إلى استنتاج القضية تماما، كما في القياس الإضماري (مايير، 2021م، ص 88). من أجل ذلك، جاءت كلمة القتل لتدعيم مظاهر العذاب وتقويتها، حيث أثبت الخطاب القرآني مظاهر محسوسة، كالدم والقتل، لكي يجسّد العذاب بأشدّ التجسيد. وهذا من مظاهر تدعيم الحجة التي تغوص في ساحة البرهان والإقناع الوجداني، من أجل الوصول إلى النتيجة المرجوّة. 6ـ2. التقديم والتأخير وهو واحد من أبرز مظاهر العدول في التركيب النحوي، ويحقّق غرضاً نفسياً دلالياً، ويقوم بوظيفة جمالية، باعتباره ملمحاً أسلوبياً خاصاً، ويتمّ عن طريق كسر العلاقات الطبيعية المألوفة بين المسند والمسند إليه في الجملة، ليضعها في سياق جديد وعلاقة متميزة (الحسيني، 2004م، ص 195). فهذه الظاهرة كثيرة التفشّي في القرآن الكريم. فهي وسيلة من وسائل الإقناع والحجاج، تستميل القلوب حالاً، وذلك مثل قوله تعالى: «وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌª (البروج 85: 7)، حيث قدّم الجار والمجرور "بالمؤمنين" على كلمة "شهود"؛ لأن المقام يصوّر القدرة الايقاعية القرآنية، ويشملها بأوسع الأبعاد. فالتقديم هنا تنبيه المتلقي أو تحذيره من الشعور بالكسل. والخمود لهذا التقديم هنا يسبب تمكين المعنى، وإفاقة المتلقي، ورجوعه إلى مداعبة الروح، وجولانها. فهذا منبعث من التقديم كوسيلة الإقناع والملاطفة الروحية. 6ـ3. التمثيل يقول الجرجاني عن التمثيل وأثره: «واعلم أنّ مما اتفق العقلاء عليه، أنّ التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبهة وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشبّ من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها» (2001م، ص 328). ويشكّل المثل عند أرسطو عمدة الحجاج، وهو استقراء خطابي؛ إذ هو حجة قائم على علاقة المشابهة بين حالتين، نصل بواسطة المقارنة بينهما إلى استنتاج. فالمثل «هو استقراء بلاغي. والمثل حجة، تقوم على المشابهة بين حالتين في مقدمتهما» (العمري، 2002م، ص 82). وقول اللّٰه تعالی: «هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ! فِرْعَوْنَ وَثَمُودَª (البروج 85: 17 ـ 18)، أي هل أتاك يا محمد (|)، وكل سامع لهذه الآيات حديثُ الجنود، ثمّ فسّر هؤلاء الجنود بفرعون وثمود. قد أتى النص القرآني بهذا التمثيل المقارن؛ لأنّ عقاب هاتين الطائفتين قد اشتهر بين العرب. يخصّ اللّٰه تعالى هاتين الأمتين دون غيرهما، لما بلغتا من العظمة والمجد، حتى أنّها طغت وتجاوزت الحدود. يشكّل هذا المثل ذروة الحجاج الذي يرسم الطغيان العاطفي، لما فيه من تخصيص الأمة الخاصة بنكران النعمة، من دون استخدام هذه النعم في طاعة اللّٰه. على هذا المنوال، يعدّ اتخاذ القرآن الكريم من القصص سبيلاً للإقناع والتأثير كأحد أساليب الاستدلال والإعجاز البياني. هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ / فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ الحجاج سبب الحجاج (فرعون وثمود) (التأكيد) 6ـ4. الاستفهام يسمّى السؤال البلاغي الاستفهام الحجاجي أو السؤال الحجاجي الذي ليس استخباراً أو طلب جواب، بل هو وسيلة حجاج. ويكون هذا السؤال عوضاً عن جملة خبرية، تكون منفية ومثبتة (صولة، 2007م، ص 425). والاستفهام يحمل افتراضات ضمنية (غيرمصرح بها)، تجعله يحمل طاقة حجاجية، وذلك مثل قوله تعالى: «هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ! فِرْعَوْنَ وَثَمُودَª (البروج 85: 17 ـ 18). يعدّ الاستفهام من خلال هذه الآية من الآليات التوجيهية العاطفية، والذي يحمل طاقة تعبيرية مكثّفة، لما فيه من القوة على السيطرة الشعورية على ذهن المرسل إليه، حتى يثبت الحجة على مخاطبيه، ويدفعهم إلى الاقتناع بما يدعوهم إليه معتمداً على التمثيل والنموذج السالف. يدلّ الاستفهام هنا على التقرير بشكل غير مباشر؛ وكأنّه بمعنى "قد"، أي قد أتاك حديث الجنود. 6ـ5. الحذف إنّ الحذف عادة علاقة قبلية. والحذف كعلاقة اتساق لا يختلف عن الاستبدال إلا بكون الأول "استبدالاً بالصفر"، أي أن علاقة الاستبدال تترك أثراً، وأثرها هو وجود أحد عناصر الاستبدال؛ بينما علاقة الحذف لا تخلف أثراً؛ ولهذا، فإن المستبدل يبقى مؤشراً، يسترشد به القارئ للبحث عن العنصر المفترض، مما يمكنه من ملء الفراغ الذي يخلفه الاستبدال؛ بينما الأمر على خلاف هذا في الحذف؛ إذ لا يحلّ محلّ المحذوف أي شيء (خطابي، 1991م، ص21)، وذلك مثل قوله تعالى: «وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ! وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ! وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍª (البروج 85: 1 ـ 3). وأما جواب القسم، فـ«قيل: محذوف لدلالة قوله "قتل أصحاب الأخدود" عليه؛ والتقدير: أنّهم ملعونون، كما لعن أصحاب الأخدود؛ وقيل تقديره: أنّ الأمر لحق في الجزاء على الأعمال: أو لتبعثنّ» (ابن عاشور، 1984م، ج 30، ص 240). فالحذف هنا يؤدي إلى توسع الدلالة وتعميم دائرة الإيجاز والتأثير، حتى يخرج التماسك النظمي في شكل، يتناسب وطبيعة الحجاج. 6ـ6. التأكيد وهو من أبرز الوسائل المؤثرة في استجاشة العواطف وطغيانها. ويعرف بأنه فنّ الحجاج والإقناع، أو هو يشدّ المتلقي إلى الخطاب اللغوي، ويستميله. وفي هذه الآية، ينهض التأكيد بالمتلقي، ويثيره ما في النفس من التهويل والترهيب: «إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِª (البروج 85: 10). «إن كلا العذابين يحصلان في الآخرة، إلا أنّ عذاب جهنم، وهو العذاب الحاصل بسبب كفرهم. وعذاب الحريق هو العذاب الزائد على عذاب الكفر، بسبب أنّهم أحرقوا المؤمنين. فيحتمل أن يكون العذاب الأول عذاب برد، والثاني عذاب الإحراق» (الفخر الرازي، 1981م، ج 11، ص 122). فالإحراق هو أبلغ أنواع العذاب، وعذاب جهنّم أوسع من عذاب الحريق؛ لأنّ عذاب جهنم من زمهرير الذي هو في غاية البرودة. فتكرار مضمون العذاب يوسّع دائرة الحجاج، ويحرّك عواطف المتلقي. ومن جهة أخرى، يعدّ الجزاء من جنس العمل، ليتناسب مع فعلتهم بالمؤمنين؛ لذلك، تتتابع الصور المختلفة بمعنى واحد من أجل الزيادة في التأثير عند المتلقي. وقد يكون الصور مترابطة في مجموعها، بحيث تكون منها صورة كبرى، تتجسّد فيها القضايا الهامة المرتبطة بالموضوع، لتكون في النهاية أعظم لوحة فنية ملونة تصوّر مدی المقصود أحسن تصويراً. هكذا، نلاحظ هذا اللون من التكرار في السورة المذكورة التي مازالت تسعى وراء تقرير التهذيب والتربية. وفي قوله تعالى: "لَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ"، عطف في معنى التوكيد اللفظي لجملة "لَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ"، واقترانها بواو العطف للمبالغة في التأكيد. «وهذا ضرب من المغايرة يحسن عطف التأكيد» (ابن عاشور، 1984م، ج 30، ص 246). كما نلاحظ التأكيد بما يشبه الذم في قوله تعالى: «وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللّٰه الْعَزِيزِ الْحَمِيدِª (البروج 85: 8)؛ كأنّه يقول: «ليس لهم جريمة إلا إيمانهم باللّٰه؛ وهذا من أعظم المفاخر والمآثر» (الصابوني، 1981م، ج 3، ص 543). وهكذا، هذه الحالة التعبيرية تؤكّد التعبير والبيان، وتساهم في تيقّظ الشعور والوجدان، لما فيها من البيان غير المباشر الذي ينبعث من الصورة الحجاجية المفضية إلى البرهان والإقناع. ... الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ الحجاج سبب الحجاج (لهم عذاب الحريق) (التأكيد)
إذا كانت للغة وظيفة حجاجية فقط تشتمل على مؤشرات لغوية خاصة بالحجاج، فاللغة العربية تشتمل على عدد كبير من الروابط والعوامل الحجاجية التي لا يمكن تعريفها إلا بالإحالة على قيمتها الحجاجية. والروابط الحجاجية تشمل "بل، ولكن، وإذن، ولاسيما، وحتى، ولأن، وبما أن، وإذا، والواو، والفاء، واللام، وكي و...". أبرز الروابط في هذا النوع هما "لأنّ ولام تعليل". فهي من الروابط التي يستعملها المرسل بكثرة لتركيب خطابه الحجاجي، كما يمكن الإشارة إلى روابط التعارض الحجاجي، ومن أبرزها "واو العطف"، وذلك مثل قوله تعالى: «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ! إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ! وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُª (البروج 85: 12 ـ 14). كما يبدو أنّ قيمة الربط الحجاجي التي تتمثّل في واو العطف، لا ترجع فقط إلى العلاقة الظاهرة بين الآيتين، ولايؤتى به، ليكون زينة تحسينية، وإنّما تظهر في صورة التقابل، ليزيد المعنى وضوحا، فيقتنع به المخاطب. وهذا ما جعل قيمة واو العطف في حجاجيته ووصولاً إلى الاستمالة والإقناع، لما فيه من القوة البالغة في خدمة النتيجة المقترنة بالحجج المتواصلة.
[1]. Michel Mayer [2]. Ethos [3]. Pathos [4]. Logos [5]. Argumentation [6]. Perelman [7]. Tyteca [8]. Pathos | ||
| مراجع | ||
|
* القرآن الكريم. ابن عاشور، محمد طاهر. (1984م). تفسير التحرير والتنوير. تونس: الدار التونسية للنشر. ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم. (1994م). لسان العرب. ط 3. بيروت: دار صادر. أرسطو. (1986م). فن الخطابة. ترجمة عبد الرحمن بدوي. ط 2. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة. الأمين، محمد سالم. (2008م). الحجاج في البلاغة المعاصرة. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة. البقاعي، أبو الحسن إبراهيم بن عمر. (1404ﻫ). نظم الدرر في تناسب الآيات والسور. بيروت: دار الكتاب الإسلامي. بلخير، عمر. (2003م). تحليل الخطاب المسرحي: في ضوء النظرية التداولية. الجزيرة: الاختلاف. بن يحي، آمال؛ وسميرة زدام. (2022م). التحاجج الافتراضي وآليات الإقناع في وسائط التواصل الاجتماعي: الفايسبوك مثالا. رسالة الماجستير. جامعة الحاج لخضر. التهانوي، محمد علي. (1996م). كشاف الاصطلاحات والفنون والعلوم. تحقيق رفيق العجم وعلي دحروج. بيروت: مکتبة لبنان ناشرون. الجرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن. (2001م). دلائل الإعجاز. تحقيق عبد الحميد هنداوي. بيروت: دار الكتب العلمي. الحسيني، راشد بن محمد. (2004م). البنى الأسلوبية في النص الشعري. لندن: دار الحكمة. حنفي، إبراهيم عبد العليم. (2017م). «الحجاج في القرآن الكريم: سورة الكهف أنموذجا». الدراسات العربية. ص 3895 ـ 3921. خطابي، محمد. (1991م). لسانيات النص مدخل إلى انسجام الخطاب. بيروت: المركز الثقافي العربي. دحمان، حياة. (2013م). تجليات الحجاج في القرآن الكريم: سورة يوسف أنموذجا. رسالة الماجستير. كلية الآداب واللغات. جامعة الحاج لخضر. درنوي، إيمان. (2013م). الحجاج في النص القرآني: سورة الأنبياء أنموذجا. رسالة الماجستير. كلية الآداب واللغات. جامعة الحاج لخضر. الدريدي، سامية. (2011). الحجاج في الشعر العربي: بنيته وأساليبه. ط 3. إربد: عالم الكتب الحديث. رزقي، الطيب. (2017م). البنية الحجاجية في كتاب اللؤلؤ والمرجان. أطروحة الدكتوراه. كلية الآداب واللغات. جامعة الإخوة منتوري. الزمخشري، أبو القاسم جار اللّٰه محمود بن عمر. (1998م). تفسير الكشاف. بيروت: دار المعرفة. السعدي، سعيد. (2024م). «دور الإيتوس والباتوس في الإقناع: رسالة المعاد والمعاش للجاحظ نموذجا». العلوم الإنسانية والاجتماعية لأكاديمية المملكة المغربية. ع 2. ص 211 ـ 226. سماح، سهام؛ ونوال سماح. (2015م). الأسلوب الحجاجي في القرآن الكريم: سورة الكهف أنموذجا. رسالة الماستر. كلية الآداب واللغات. جامعة عبد الرحمن ميرة ـ بجاية. الصابوني، محمد علي. (1981م). صفوة التفاسير. ط 4. بيروت: دار القرآن الكريم. صادق، مثنى كاظم. (2015م). أسلوبية الحجاج التداولي والبلاغي: تنظير وتطبيق على السور المكية. بيروت: الضفاف. صولة، عبد اللّٰه. (2007). الحجاج في القرآن الكريم: من خلال أهم خصائصه الأسلوبية. ط 2. بيروت: دار الفارابي. طروس، محمد. (2005م). النظرية الحجاجية: من خلال الدراسات البلاغية والمنطقية واللسانية. الدار البيضاء: دار الثقافة. طعمة، عبد الرحمن محمد. (2018م). «البعد التداولي للنسق الحواري في القرآن الكريم: مقاربة معرفية حجاجية». قرانيكا. ج 10. ع 1. ص 89 ـ 128. عباس، سناء هادي؛ وساهرة عدنان وهيب. (2017م). «أساليب الإقناع في سورة لقمان». العلامة. ع 1. ص 183 ـ 207. العزاوي، أبو بكر. (2006م). اللغة والحجاج. الدار البيضاء: العمدة في الطبع. العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد اللّٰه. (1989م). كتاب الصناعتين: الكتابة والشعر. بيروت: دار الکتب العلمية. العمري، محمد. (2002م). في بلاغة الخطاب الإقناعي. ط 2. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق. الفخر الرازي، أبو عبد اللّٰه فخر الدین محمد بن عمر. (1981م). التفسير الكبير ومفتاح الغيب. بيروت: دار الفكر. القارصي، محمد علي. (1998م). «البلاغة والحجاج من خلال نظرية المساءلة لميشال مايير». ضمن كتاب أهم نظريات الحجاج في التقاليد من أرسطو إلى اليوم. إشراف حمادي صمود. تونس: کلیة الآداب. مانغونو، دومينيك. (2008م). المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب. ترجمة محمد يحياتن. الجزيرة: الاختلاف. مايير، ميشيل. (2021م). البلاغة. ترجمة محمد أسيداه. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة. | ||
|
آمار تعداد مشاهده مقاله: 3 |
||