| تعداد نشریات | 44 |
| تعداد شمارهها | 1,877 |
| تعداد مقالات | 15,278 |
| تعداد مشاهده مقاله | 43,730,696 |
| تعداد دریافت فایل اصل مقاله | 17,562,994 |
تحليل أسلوبي لخطبة الشقشقية استكشاف في التكرار المعجمي، والبنية، والبلاغة، والوظائف اللغوية في نهج البلاغة | ||
| بحوث في اللغة العربية | ||
| دوره 18، شماره 35، مهر 2026، صفحه 15-32 اصل مقاله (631.09 K) | ||
| نوع مقاله: المقالة البحثیة | ||
| شناسه دیجیتال (DOI): 10.22108/rall.2025.145039.1589 | ||
| نویسندگان | ||
| مرتضی عرب* ؛ حسن علیدادی سلیمانی | ||
| أستاذ مساعد في قسم اللاهوت بجامعة شهيد باهنر كرمان، كرمان، إيران | ||
| چکیده | ||
| تعدّ خطبة الشقشقية من أبرز النصوص البلاغية في نهج البلاغة؛ إذ تعبّر عن التوتر العاطفي، والنقد السياسي، والعمق الأخلاقي في خطاب الإمام علي (8)، بلغة مشحونة بالرمزية والإيحاء. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الخطبة من منظور أسلوبي ـ لساني، مدمجةً بين الأسلوبية اللسانية الحديثة والبلاغة الإسلامية الكلاسيكية، من أجل الكشف عن البنية اللغوية المركبة التي تمنح النص قوته التأثيرية. يعتمد البحث على إطار نظري، يجمع بين نظرية الوظائف اللغوية الثلاث لهاليداي (الفكرية، البينية، النصية)، ونظرية ياكوبسون في الوظيفة الشعرية، مع توظيف مفاهيم بلاغية من تراث الجرجاني والجاحظ، ويستخدم منهجا تحليليا ـ كيفيا، يستند إلى التكرار المعجمي، والبنية النحوية، والوسائل البلاغية، واختيار المفردات. تُظهر النتائج أن الخطبة تُشيَّد على تكرار دلالي مقصود، وتوازن بنيوي بين الجمل القصيرة والطويلة، وصور بلاغية حيّة، تعكس الألم والاحتجاج والزهد، كما تُعيد بناء لحظة تاريخية بلغة رمزية شديدة التأثير. وتتميّز هذه الدراسة عن سابقاتها بشمولية منهجها وتحليلها المتعدد الأبعاد؛ ومن ثمّ، فإن خطبة الشقشقية تمثّل نموذجا غنيا لتحليل النصوص الإسلامية، باستخدام اللسانيات المعاصرة، وتُبرز مكانتها كبيان خالد للعدالة والمقاومة. | ||
| کلیدواژهها | ||
| خطبة الشقشقية؛ الأسلوبية؛ البلاغة الإسلامية؛ وظائف اللغة؛ التحليل النحوي؛ التكرار المعجمي | ||
| اصل مقاله | ||
خطبة الشقشقية، الخطبة الثالثة من مجموعة نهج البلاغة، كلام نابع من قلب الإمام علي (8)، في لحظة مشحونة بالعاطفة، رداً على ظروف أزمة حرجة. من المحتمل، أن هذه الخطبة أُلقيت في الكوفة، بعد مقتل عثمان سنة 35ه، إثر هجوم الناس لمبايعة الإمام (ابن أبي الحديد، 1959م، ج 1، ص 194). كانت الكوفة، بعد مقتل عثمان، قد غرقت في الفوضى بسبب الفساد المالي والمحسوبية في عهده (الطبري، 1992م، ج 4، ص 438)، مما شكّل أرضية لخطبة، تعبّر عن آلام الفترة التي أعقبت وفاة النبي (|)، وقبول الخلافة على مضض. لا تعد هذه الخطبة وثيقة تاريخية لمرحلة حساسة فحسب، بل تحفة لغوية، تعبر عن الحقيقة، والاحتجاج، والقيم الأخلاقية. وفقاً لمادلونغ[1]، فإن مقتل عثمان سنة 35ه، الذي جاء نتيجة استياء متزايد، تسبّب في فراغ سلطة، دفع الناس نحو الإمام علي (1997م، ص 141)؛ لكن هجوم الناس لم يكن نابعاً من وعي كامل، بل كان نتيجة ردّ فعل عاطفي للأزمة، مما جعل الخطبة تكتسب طابعها النقدي والعاطفي (الخوئي، 1998م، ج 1، ص 112)، حيث جمع الإمام بين شكوى شخصية ونقد تاريخي وبيان عن العدالة؛ لذا، تعدّ خطبة الشقشقية رواية، تنبع من تجربة مؤلمة، وتجمع بين الغضب، والصبر، والزهد، داعيةً المتلقي إلى التأمل في العدالة والحقيقة. بحسب رواية ابن عباس، انتهت الخطبة دون اكتمال، إثر حوار، قُوطع بتقديم رسالة إلى الإمام، وخُتمت بعبارة «شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ» (1414ه، ص 51)، وهي عبارة تعكس وحدها عمق العاطفة وحكمة الكلام، وأثارت حسرة ابن عباس. يبدو تحليل خطبة الشقشقية من منظور الأسلوبية اللغوية، أمراً جديراً بالاهتمام؛ ولهذا، يهدف هذا البحث إلى دراسة وتحليل الخصائص اللغوية للخطبة تحليلاً شاملاً متعدد الأبعاد، يكشف كيف استطاع الإمام علي (8)، أن يخلق بلسان البلاغة أثراً، يُقنع العقل، ويؤثر في القلب، ويهدي الروح نحو العدالة. يستند البحث إلى إطار نظري، يجمع بين اللغويات الحديثة، مثل: نظرية هاليداي الوظيفية[2]، وياكوبسون الشعرية[3]، والبلاغة الإسلامية الكلاسيكية، مثل: آراء الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني. 1ـ1. أسئلة البحث تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة الرئيسة التالية: ـ كيف يُسهم التكرار اللفظي للمفردات المحورية، مثل: "الصبر"، و"الناس"، و"اللّٰه"، في تشكيل المحاور العاطفية، والاجتماعية، والإلهية للخطبة، وتعزيز وظائفها الشعرية والإقناعية؟ ـ ما دور التنويع البنيوي النحوي، أي الجمل القصيرة، والبنى المتوازنة، وتداخل القصير والطويل، في نقل الإيقاع العاطفي، أي الغضب، والإلحاح، وبناء التماسك النصي وإطار النقد التاريخي؟ ـ كيف تساهم الوسائل البلاغية المتنوعة، كالاستعارة، والتشبيه، والجناس، والتضاد، في تحويل المفاهيم المجردة، كالظلم، والخلافة، والمقاومة، إلى صورٍ حسيةٍ مؤثرة، وتفعيل الوظيفة البينية، أي التفاعل العاطفي مع المتلقي؟ ـ إلى أي مدى يعكس اختيار المفردات الدقيق، مثل: "تَقَمَّصَهَا"، و"طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ"، و"قَذًى وَشَجًا"، و"نَهْبًا"، الاستراتيجية اللغوية للإمام علي (8)، في المزج بين التعبير عن الألم الشخصي والنقد الاجتماعي والتوجيه الأخلاقي؟ ـ كيف تتداخل الوظائف اللغوية الفكرية، البينية، النصية عند هاليداي، في بناء خطاب متكامل، يصوّر التجربة، ويقيم علاقة تواصلية مع الجمهور، ويحقّق تماسكاً نصياً وإيقاعياً؟ 1ـ2. منهجية البحث تبنَّى هذا البحث منهجية تحليلية تكاملية، تجمع بين التحليل الكمي والنوعي. يعتمد التحليل الكمي على إحصاء وتصنيف ظواهر لغوية محددة في نص الخطبة، مثل: تكرار المفردات الرئيسة، والأنماط النحوية المتداولة؛ أما التحليل النوعي، فيتعمق في تفسير الدلالات والوظائف الجمالية والتأثيرية لتلك الظواهر، من خلال تحليل محاور ستة مترابطة: التكرار اللفظي والدلالي، والبنية النحوية، والوسائل البلاغية، والدلالات في سياقها، واختيار المفردات، والوظائف اللغوية وفق نموذج هاليداي. يتم تطبيق هذه المنهجية على نص الخطبة، بالاستناد إلى مصادرها الأساسية وشروحها المعتبرة، سعياً لتقديم قراءة متعددة المستويات، تكشف التفاعل بين الشكل اللغوي والمضمون المعنوي في بناء هذا الخطاب البلاغي الفريد. 1ـ3. خلفية البحث يعدّ نهج البلاغة، بفضل فصاحته وبلاغته وعمق معانيه، أرضية خصبة للتحليلات اللغوية والأدبية. وفي هذا السياق، حظيت الأسلوبية في نهج البلاغة، كأحد أبرز النصوص الأدبية والدينية باللغة العربية، باهتمام الباحثين في العقود الأخيرة. فيما يلي، نستعرض بعض الدراسات السابقة ذات الصلة بهذا البحث لتوضيح مكانة الدراسة الحالية: مقالة سبكشناسی خطبه اشباح نهج البلاغه (= علم الأسلوب في خطبة الأشباح)، لعلي نظري وکبری خسروي وزهرا إبراهیمي (1393ﻫ.ش). لقد تناولت المقالة خطبة الأشباح من الزوايا الصوتية، والنحوية، والدلالية، والفكرية، وأبرزت جمالياتها الأسلوبية؛ لكنها لم تعمّق في التكرار اللفظي، أو الوظائف اللغوية، أو اختيار المفردات. من اللافت، أن خطبة الأشباح التي تتناول التوحيد، تتميّز بنبرة تعليمية؛ بينما تتسم الشقشقية بطابع عاطفي ونقدي. سبكشناسی خطبه 87 نهج البلاغه بر اساس رویکرد ساختارگرایی (= علم الأسلوب في الخطبة 87 من نهج البلاغة، بناءً على المنهج البنيوي)، لأشرف پرنوش وحامد صدقي (1398ﻫ.ش). لقد درست هذه المقالة استعارات الخطبة 87 باستخدام نظرية الدمج المفاهيمي لفوكونييه[4]، مركزة على بناء المعنى؛ لكنها أغفلت البنى النحوية واللغويات الوظيفية. فضلاً عن ذلك، تجمع الشقشقية، على عكس الخطبة 87، بين النقد التاريخي والعاطفة. ودراسة سبكشناسی آوایی و واژگانی خطبه 221 نهج البلاغه (= علم الأسلوب الصوتي والمعجمي في خطبة 221 من نهج البلاغة)، لحسين یوسفي آملي ومصطفی کمالجو ومریم أطهري نیا (1396ﻫ.ش). لقد تناولت المقالة الطبقات الصوتية واللفظية للخطبة 221، وأبرزت موسيقاها اللفظية؛ لكنها قللت من التركيز على البلاغة والدلاليات. من اللافت، أن الشقشقية بنبرتها الشكوائية تختلف عن الخطبة 221. تُظهر هذه الدراسات تنوع المناهج في تحليل خطب نهج البلاغة؛ لكنها تفتقر إلى الشمولية في تناول الأبعاد اللفظية، والنحوية، والبلاغية، والوظيفية معاً، وهو ما يسعى البحث الحالي إلى تحقيقه، من خلال تحليل خطبة الشقشقية بمنهج متعدد الأوجه. يتميز البحث الحالي بعنوان تحليل أسلوبي لخطبة الشقشقية، عن الأبحاث السابقة من عدة جوانب: ـ شمولية المنهج التحليلي: على عكس دراسة أسلوبية خطبة الأشباح التي ركزت على أربعة مستويات صوتية، ونحوية، ودلالية، وفكرية، أو أسلوبية الطبقة الصوتية واللفظية للخطبة 221 المقتصرة على المستويين، يتناول هذا البحث خمسة محاور: التكرار اللفظي، والبنية، والبلاغة، واختيار المفردات، والوظائف اللغوية في آن واحد، مقدما تحليلا متعدد الأوجه. ـ استخدام إطار الوظيفية لهاليداي[5]: مقارنةً بدراسة أسلوبية الخطبة 87 التي اعتمدت نظرية الدمج المفاهيمي، يعتمد هذا البحث نظرية هاليداي (الوظائف الفكرية[6]، البينية[7]، والنصية[8])، ليدرس الوظائف الاجتماعية والعاطفية للكلام إلى جانب المعنى، وهو جانب، قلّ التركيز عليه في الدراسات السابقة. التركيز على خطبة الشقشقية: يستهدف البحث خطبة الشقشقية التي تتميز بنبرتها العاطفية، والنقدية، والتاريخية، مما يجعلها مختلفة عن غيرها. فبخلاف خطبة الأشباح التي تهتم بالتوحيد، أو الخطبة 87 ذات الدلالات الاستعارية، أو الخطبة 221 ذات الموضوعات القصيرة والصوتية، تجمع الشقشقية بين الشكوى الشخصية، والنقد الاجتماعي، والسمو الأخلاقي، مما يجعل تحليلها فريدا. ـ تحليل التكرار اللفظي والبنيوي: على عكس العديد من الدراسات السابقة التي ركّزت على الجوانب النوعية، مثل: الأصوات أو الاستعارات، يحلّل هذا البحث التكرار اللفظي، مثل: تكرار "الصبر" و"الناس"، والتكرار البنيوي، مثل: التوازي، والجمل القصيرة، بطريقة كمية ونوعية، موضحا ارتباطهما بالمعنى. ـ المقارنة التطبیقیة: يبرز البحث مكانة الشقشقية المتميزة، من خلال مقارنتها بخطب أخرى (1، 16، 27)؛ بينما اقتصرت الدراسات السابقة غالبا على خطبة واحدة، وقلّ اهتمامها بالمقارنة. هذه الجوانب تجعل البحث الحالي مساهمة متميزة في دراسات أسلوبية نهج البلاغة، مقدما رؤية شاملة ومتكاملة لخطبة الشقشقية. يعد إجراء هذا البحث ضروريا للأسباب التالية: ـ أهمية خطبة الشقشقية: تعدّ خطبة الشقشقية من أبرز خطب نهج البلاغة بفضل محتواها التاريخي، أي سلب الخلافة، والعاطفي، أي الشكوى والألم، والأخلاقي، أي الصبر والزهد. تحليلها الشامل يمكن أن يقدّم فهما أعمق لأسلوب الإمام علي (8)، ودلالاته متعددة الطبقات. ورغم وجود دراسات عديدة، إلا أن التحليل متعدد الأوجه لهذه الخطبة مازال نادرا. ـ الحاجة إلى مناهج حديثة: توفّر الأسلوبية الحديثة بأدوات، مثل: الوظيفية لهاليداي وتحليل التكرار، إمكانيات لدراسات أكثر دقة وعلمية. يعالج هذا البحث، من خلال دمج هذه الأساليب مع البلاغة الإسلامية، النقص الموجود في الدراسات التقليدية. ـ ربط الشكل بالمعنى: تعدّ خطبة الشقشقية نموذجا بارزا لربط الشكل اللغوي، مثل: الاستعارة، والجناس، بالمعاني العميقة، مثل: العدالة، والمقاومة. تحليل هذا الارتباط يمكن أن يقدم نموذجا لفهم أفضل للنصوص الدينية والأدبية. ـ إثراء الأسلوبية الإسلامية: يساهم هذا البحث، من خلال تقديم تحليل شامل لخطبة الشقشقية، في إثراء الأدبيات البحثية في مجال الأسلوبية في نهج البلاغة، ويفتح المجال أمام دراسات مقارنة.
علم الأسلوبية اللغوية هو فرع، يستفيد من بيانات اللغويات والبلاغة والنقد الأدبي، لاستكشاف الخصائص اللغوية والأسلوبية للنصوص الأدبية وغير الأدبية. هذا النهج الذي يجد جذوره في التقاليد البلاغية العربية والإسلامية القديمة، وتطوّر في القرن العشرين بفضل النظريات الحديثة، يدرس النصوص من حيث البنية، والمعنى، والتأثير. في هذا البحث، يتم تحليل خطبة الشقشقية، باستخدام مزيج من الأساليب المتعددة، للكشف عن طبقاتها اللغوية والبلاغية بشكل شامل. يقوم هذا الإطار على خمسة محاور رئيسة، صيغت كل منها بالاستناد إلى مصادر موثوق بها في اللغويات والبلاغة الإسلامية. 2ـ1. التكرار اللفظي والبنيوي[9] يركز هذا الأسلوب على تكرار المفردات والأنماط النحوية. يرى ياكوبسون[10] أن التكرار أداة للتأكيد والشاعرية (1960م، ص 355)؛ بينما يعتبره ابن أبي الحديد في كلام الإمام دليلاً على الإقناع (1959م، ج 1، ص 195)؛ كما تُظهر البنى والأنماط النحوية التماسك والإيقاع (هاليداي، 1985م، ص 78). 2ـ2. التحليل البلاغي[11] يستعرض هذا النهج الأدوات البلاغية، مثل: الاستعارة، والتشبيه. يعتبر الجاحظ هذه الأدوات روح الكلام (1968م، ج 1، ص 85)؛ بينما يراها ابن ميثم البحراني عامل جمال في الخطب (1362ﻫ.ش، ج 1، ص 251). 2ـ3. الدلاليات[12] تحلّل الدلاليات معاني المفردات في سياقها التاريخي والاجتماعي. يرى دو سوسور[13] أن المعنى مرتبط بنظام العلامات (1916م، ص112)؛ بينما يعتبر ابن أبي الحديد المعاني انعكاساً لتجربة الإمام (1959م، ج 1، ص 198). 2ـ4. اختيار المفردات[14] يبحث هذا النهج عن اختيار المفردات، ضمن محور الاستبدال ودلالاتها. يراه هاليداي جزءاً من تمثيل التجربة (1985م، ص 90)؛ بينما يعتبر الجاحظ دقة اختيار الكلمات مفتاح الفصاحة (1968م، ج 1، ص 85). 2ـ5. اللغويات الوظيفية[15] يحلل هذا النهج الأسلوبي، بناءً على نظرية هاليداي، الوظائف الفكرية، والبينية، والنصية (1985م، ص 78)؛ كما يرى الجاحظ الكلام أداة للإقناع والتسكين (1968م، ج 1، ص 86).
3ـ1. تحليل التكرار اللفظي 3ـ1ـ1. شرح المفهوم ووظيفته في الأسلوبية اللغوية يعدّ تحليل التكرار اللفظي[16] أحد الأساليب المحورية في الأسلوبية اللغوية، حيث يركز على دراسة أنماط تكرار المفردات، والمجالات الدلالية[17]، ودورها في بنية النص ومعناه. وفقا لهذا النهج، فتعكس المفردات العالية التكرار المفاهيم الرئيسة للنص وإستراتيجياته البلاغية، وتكشف عن نية المتكلم. يؤكد ياكوبسون أن «تكرار المفردات يعزز الوظيفة الشعرية للغة، ويبرز الموضوعات الأساسية، موجها ذهن المتلقي نحو المفاهيم المحورية» (1960م، ص 335 ـ 357)، ويرى أن هذه الأنماط، خاصة في النصوص البلاغية أو الشعرية، لا تثبت المعنى فحسب، بل تثير العواطف، وتمنح الكلام إيقاعا داخليا. يعتبر هاليداي التكرار اللفظي جزءا من الوظيفة الفكرية، حيث تمثل المفردات المتكررة التجارب، ووجهات النظر، والحقائق الذهنية أو الموضوعية للمتكلم، كما يمكن أن يعزّز التكرار الوظيفة البينية؛ إذ تُعمّق المفردات العاطفية أو التأكيدية العلاقة العاطفية مع المتلقي (1955م، ص 90 ـ 92). في التراث البلاغي الإسلامي، يرى الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، أن التكرار أداة لزيادة جمال الكلام وقوته، مؤكدا أن المفردات العالية التكرار، إذا اختيرت بعناية، تُضاعف تأثير الكلام على المتلقي (1968م، ج 1، ص 85 ـ 86)؛ كما يعتبر ابن أبي الحديد التكرار في كلام أمير المؤمنين (8)، وسيلة للتأكيد، والإقناع، وجذب الانتباه (1959م، ج 1، ص 195)؛ ويرى ابن ميثم البحراني أن التكرار «علامة على عمق العاطفة وإستراتيجية الكلام» (1362ﻫ.ش، ج 1، ص 250). يتيح هذا الأسلوب في الأسلوبية للباحث استكشاف الطبقات الدلالية، والأنماط الجمالية، والمقاصد التواصلية للنص. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يعزّز التكرار العالي للمفردات العاطفية النبرة الشكوائية؛ بينما يبرز تكرار المفردات الاستدلالية المنطق والمتانة في الكلام. في النصوص البلاغية، مثل: خطبة الشقشقية، يمكن أن يكشف هذا التحليل عن التوازن بين العاطفة والمنطق، ويوضّح إستراتيجية المتكلم في التأثير على المتلقي. 3ـ1ـ2. تحليل خطبة الشقشقية تخلق خطبة الشقشقية، من خلال استخدام المفردات العالية التكرار، نمطا معقدا من المعنى، والعاطفة، والبلاغة. فيما يلي تحليل مفصل للمفردات الرئيسة والمجالات الدلالية: * الصبر والمحور العاطفي: لقد تكررت كلمة "الصبر" أربع مرات في الخطبة، كما في قوله: «فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى» (1414ﻫ، ص 48). تعكس هذه الكلمة الألم العميق والداخلي للإمام علي (8) إزاء سلب الخلافة، وهو شعور، يتردّد صداه لدى أهل الكوفة الذين عاشوا ظلم الخلافة السابقة. يرى ابن أبي الحديد أن الصبر دليل على القوة الروحية التي حافظت على الوحدة رغم الظلم (1959م، ج 1، ص 210). وفي الشعر الجاهلي، كما عند عنترة بن شداد العبسي، يشير الصبر إلى تحمل الألم بعزة (سيبويه، 1988م، ج 1، ص 42). كما يعتبر جوادي آملي الصبر جسرا بين الحكمة والعاطفة (1388ﻫ.ش، ج 1، ص 220). هنا، يُعد تكرار "الصبر" وسيلة لإثارة العاطفة (ليتش، 1983م، ص 67). في الكوفة، حيث كان الناس منهكين من الظلم، هزّت كلمة "الصبر" قلوبهم، وعبّر الإمام يعبر عن آلامهم. يصف فيركلاف هذا الفعل بأنه جزء من خطاب المقاومة العاطفية (1995م، ص 44). يتجلى هذا المحور العاطفي، من خلال تكرار "الصبر"، بطريقة تجعل كل مستمع يشعر بأنه شريك في حزن الإمام. مقارنةً بالخطبة 1 التي ذُكر فيها الصبر مرة واحدة فقط، تُظهر الشقشقية عاطفة أعمق وأكثر خصوصية. * الناس والمحور الاجتماعي: قد تكررت كلمة "الناس" ثلاث مرات في الخطبة: «فَمُنِيَ النَّاسُ لَعَمْرُ اللّٰه بِخَبْطٍ وَشِمَاسٍ» (1414ﻫ، ص 48)، و«فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ» (المصدر نفسه، ص 50)، و«يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ» (المصدر نفسه، ص 51). هذه الكلمة تخاطب أهل الكوفة مباشرة، محملة إياهم مسؤولية اجتماعية إزاء انحرافات الخلافة. في القرآن الكريم، تُشير "الناس" في سورة الناس إلى البشرية، ويرى مكارم شيرازي أنها في الخطبة رمز للتعاطف (1374ﻫ، ج 1، ص 150)؛ بينما يعتبره ابن ميثم دليلاً على اهتمام الإمام بالجماعة (1362ﻫ.ش، ج 1، ص 255). يُعدّ تكرار "الناس" وسيلة لخلق رابطة اجتماعية (کریستال، 2008م، ص 94)، ومؤشرا على الدلالات الجماعية (إکو، 1976م، ص 55). في الكوفة، حيث كان الناس غاضبين من فساد خلافة عثمان، شعروا عند سماع "الناس"، بأنهم جزء من نقد الإمام، كأنه يدعوهم لإصلاح المجتمع. يبرز استخدام هذه الكلمة في تشكيل الهوية الجماعية للمتلقين (فاولر، 1996م، ص 88). يتجلى هذا المحور الاجتماعي، من خلال تكرار "الناس"، بطريقة، تجعل كل فرد في الجمع يشعر بأن الخطبة تخاطبه شخصيا لتحقيق العدالة. مقارنةً بالخطبة 16 التي ذُكرت فيها "الناس" مرتين فقط، تُبرز الشقشقية النقد الاجتماعي بشكل أقوى. * اللّٰه والمحور الإلهي: تكررت كلمة " اللّٰه" ثلاث مرات في الخطبة، كما في قوله: «وَاللّٰه لَقَدْ تَقَمَّصَهَا» (1414ﻫ، ص 48)، لتشكل المحور الإلهي للخطبة. في الكوفة، حيث كان الناس يبحثون عن الهداية بعد أزمة الخلافة، أظهرت هذه الكلمة السلطة الروحية للخطبة. تُعد "اللّٰه" في القرآن، بسبب كونه النص المهيمن في السياق الإسلامي، محور التوحيد. ويرى السكاكي أن تكرار "اللّٰه" في الآية: «اللّٰه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَª (البقرة 2: 255)، يعزز الإيمان (1987م، ج 1، ص 72). كما يعتبر الخوئي تكرار "اللّٰه" هنا دليلاً على توكل الإمام (1998م، ج 1، ص 128). تصبح هذه الكلمة، بربطها بالسياق الظرفي، أداة للإقناع الروحي (فان دايك، 2006م، ص 126)، وبالتالي، تعد مؤشرا على الدلالات الثقافية (لیونز، 1977م، ص 212). بعبارة أخرى، في الكوفة، كان سماع "اللّٰه" بمثابة إعادة بناء روحي (بارت، 1967م، ص 45)، ذكّر الناس بأن العدالة الإلهية تتجاوز السلطات البشرية، مما حول الخطبة إلى أمر متعالٍ. لقد تجلى هذا المحور الإلهي، من خلال تكرار "اللّٰه"، بطريقة جعلت المتلقين يشعرون بهدايتهم نحو اللّٰه والقيم العليا. مقارنةً بالخطبة 1 التي قد تكررت فيها "اللّٰه" سبع مرات، تُظهر الشقشقية أنها حافظت على التأثير المتعالي بتركيز أكبر. * فلان والمحور النقدي: لقد استُخدمت كلمة "فلان" مرتين، كما في قوله: «أَنْ يَتَقَمَّصَهَا فُلانٌ» (1414ﻫ، ص 48)، لتنتقد الخلفاء السابقين بشكل غير مباشر. في الكوفة، حيث كانت الخلافات السياسية حساسة، نقلت هذه الكلمة النقد التاريخي بلباقة لتجنب الصراع المباشر (مادلونغ، 1997م، ص 141). يعدّ هذا الأسلوب، إلى جانب كونه مثالاً للإيجاز البلاغي (الرضي، 1993م، ج 1، ص 48)، رمزا للخطاب النقدي (فیرکلاف، 1995م، ص4 4). في الكوفة، استحضر الناس عند سماع "فلان"، انحرافات الخلفاء، مما دفعهم للتأمل في الماضي. لقد تجلى هذا المحور النقدي، من خلال "فلان"، بطريقة، جعلت كل مستمع يدرك مقصد الإمام دون ذكر أسماء مباشرة. مقارنةً بالخطبة 27 التي تتسم بنقد أكثر مباشرة، تُظهر الشقشقية دقة ولباقة أكبر في النقد. * المفردات العاطفية والشكوائية: تشمل المجموعة الدلالية العاطفية عبارات، مثل: «آهٍ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَطُولِ الطَّرِيقِ» (1414ﻫ، ص 50)، و«فِي الْعَيْنِ قَذىً وَفِي الْحَلْقِ شَجاً» (المصدر نفسه، ص 48)، و«شِدَّةِ الْمِحْنَةِ» (المصدر نفسه، ص 49)، و«تُرَاثِي نَهْباً» (المصدر نفسه، ص 49)، و«أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ» (المصدر نفسه، ص 51). يحوّل هذا التكرار العالي الخطبة من خطاب سياسي إلى صرخة داخلية وعاطفية، تنقل مشاعر الحزن، والإحباط، والمهانة، مشكلةً مجموعة دلالية، تستهدف قلب المتلقي. من منظور هاليداي، تثير هذه المفردات التعاطف في الوظيفة البينية؛ بينما تعزّز، وفقا لياكوبسون، الوظيفة الشعرية من خلال الصور الحية، مثل: "قَذى" و"شَجا". في الخطبة الأولى، تقلّ المفردات العاطفية، مثل: "مِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ" (المصدر نفسه، ص 38)، وتسود النبرة التعليمية؛ لكن في الشقشقية، تكشف هذه المجموعة الدلالية عن عمق الألم الشخصي، مما يميّز الخطبة عن غيرها. * المفردات النقدية: تعكس مفردات، مثل: "غَصَبَهَا"، و"تَقَمَّصَهَا"، و"نَهْبًا"، و"يَخْضَمُونَ"، و"انْتَكَثَ"، و"كَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ"، نقد الغصب والفساد. تعزز هذه المجموعة نبرة الاحتجاج، حيث تعبّر المفردات، بتكرار معتدل ولكنه مقصود، عن النقد بأسلوب لاذع ومؤثر. ومن خلال الوظيفة الفكرية لهاليداي، تمثل هذه المفردات الانحراف والفساد بشكل واضح. 3ـ2. تحليل البنى النحوية 3ـ2ـ1. شرح البنية النحوية يتناول تحليل البنى النحوية[18] دراسة الأنماط النحوية المتكررة، مثل: طول الجمل، والبنى المتوازية، واستخدام الأسئلة أو الاستشهادات، وترتيب مكونات الكلام. يوضّح هذا الأسلوب دور البنى في خلق الإيقاع، والتماسك، والتأثير النصي، ويعدّ في الأسلوبية اللغوية أداة لفهم كيفية تنظيم الكلام ونقل المعنى. تعزّز البنى النحوية، من خلال خلق التماسك والتسلسل، الوظيفة النصية، كما أن طول الجمل وترتيبها يمكن أن يدعم الوظيفة البينية من خلال إيجاد نبرة محددة، مثل: الإلحاح أو التأمل (هاليداي، 1985م، ص 78 ـ 84). يرى هاليداي أن الأنماط البنيوية تشكّل النص ككل متماسك، وتوجّه تجربة المتلقي السمعية أو القرائية، وتتحكم فيها (المصدر نفسه، ص 78). تعدّ البنى المتوازية والتكرار البنيوي أدوات لتعزيز الإيقاع، والتأكيد، والجماليات اللفظية. تجمع البنى المتوازية، خاصة في النصوص البلاغية، بين التماسك والإيقاع الداخلي، مما يقرّب الكلام من مستوى الشعر (یاکوبسون، 1960م، ص 357 ـ 358). في التراث البلاغي الإسلامي، تُعتبر البنى المتوازية عاملاً، يخلق نبرة موسيقية، ويجذب المتلقي (ابن ميثم البحراني، 1362ﻫ.ش، ج 1، ص252)؛ بينما تُعد الأسئلة البلاغية والإيقاع أدوات لإيقاظ العقل والقلب (الجاحظ، 1968م، ج 1، ص 78). يتيح تحليل التكرار البنيوي للباحث فهم كيفية تنظيم البنى للمعنى، ونقل العواطف، ويجعل الكلام جذابا للمتلقي. في النصوص البلاغية، مثل: خطبة الشقشقية، يمكن أن تُظهر البنى التوازن بين العاطفة والمنطق، وتكشف عن إستراتيجية المتكلم في توجيه المتلقي. 3ـ2ـ2. تحليل خطبة الشقشقية تُظهر خطبة الشقشقية، من الناحية البنيوية، مزيجا غنيا من الأنماط المتنوعة، لكل منها دور محدد في نقل المعنى والتأثير: * الجمل القصيرة والمقطعة: تشمل الأمثلة: «أَمَا وَاللّٰه لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ» (1414ﻫ، ص 48)، و«فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْبًا» (المصدر نفسه، ص 48)، و«فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى» (المصدر نفسه، ص 48)، و«فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ» (المصدر نفسه، ص 50)، و«لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا» (المصدر نفسه، ص 49). غالبا ما تقلّ هذه الجمل عن 10 كلمات، وتُلقى بسرعة وانقطاع. يرى ابن أبي الحديد أن هذا الأسلوب يشبه الهجاء الجاهلي، حيث يثير الحدّة، ويجذب الانتباه (1959م، ج 1، ص 197). تُنقل هذه البنى إحساسا بالغضب المكبوت، والإلحاح، والضغط العاطفي. من منظور هاليداي، تُدخل هذه الجمل القصيرة، ضمن الوظيفة البينية، المتلقي بسرعة إلى صميم تجربة الإمام، موحيةً بالقلق والتظلم. مقارنةً بالخطبة 16 (الجهاد)، التي تحوي جملاً أطول وتعليمية، مثل: «فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ» (1414ﻫ، ص 74)، تتميز الشقشقية بهذا الانقطاع بنبرة أكثر خصوصية وشكوائية، تتماشى مع محتواها ومضمونها. * البنى المتوازية: تشمل الأمثلة البارزة: «يَغْلُظُ كَلْمُهَا وَيَخْشُنُ مَسُّهَا» (المصدر نفسه، ص 49)، و«إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ» (المصدر نفسه)، و«نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَمَرَقَتْ أُخْرَى وَقَسَطَ آخَرُونَ» (المصدر نفسه، ص 50)، و«يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ» (المصدر نفسه)، و«أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا» (المصدر نفسه، ص 51). يعتبر السكاكي هذا النمط عاملاً لموسيقى الكلام (1987م، ج 1، ص 72)، حيث يضيف النظام والإيقاع إلى الطرح التاريخي للخطبة، ويقدّم النقد بأسلوب منظم ومؤثر. تعزّز هذه البنى الوظيفة الشعرية، وتجذب عقل وقلب المتلقي بإيقاعها. في الكوفة، حيث كان الجمهور متفرقا فكريا وعاطفيا، عملت هذه البنى كنغمة لفظية، ربطت العقول برسالة الخطبة، كما تضمنت، ضمن الوظيفة النصية، التماسك، وحوّلت النص إلى كل مترابط. يرى فان دايك أن التوزاي أداة لتعزيز التماسك الخطابي (2006م، ص 126). مقارنةً بالخطبة الأولى التي تتّسم بنیة أقل إيقاعية وأكثر خطية، مثل: «ثُمَّ جَمَعَهُ فَأَتْقَنَهُ» (1414ﻫ، ص 38)، تربط خطبة الشقشقية العواطف بالنقد التاريخي عبر هذا الإيقاع. * تركيب الجمل القصيرة والطويلة: تبدأ الخطبة بجمل قصيرة، مثل: «أَمَا وَاللّٰه لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ» (1414ﻫ، ص 48)، ثم تنتقل تدريجياً إلى جمل أطول، مثل: «لَولَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَمَا أَخَذَ اللّٰه عَلَى الْعُلَمَاءِ» (المصدر نفسه، ص 51). يضيف هذا التنوع حيوية للكلام، ويمنع النص من الرتابة. يبدو أن هذا الانتقال من الجمل القصيرة إلى الطويلة يعكس انتقالا من الغضب والشكوى الأولية إلى استدلال عميق ومتعالٍ. من منظور هاليداي، يحافظ هذا التركيب، ضمن الوظيفة النصية، على التماسك، ويثري التجربة السمعية. يظهر هذا التنوع أيضا في الخطبة 27: «فَأَخَذَهَا فُلَانٌ ثُمَّ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ» (1414ﻫ، ص 85)؛ لكن في الشقشقية، يتداخل هذا الانتقال مع عاطفة وبلاغة أكبر، مما يحوّل النص إلى رواية متعددة الطبقات. * السؤال البلاغي: السؤال الوحيد في الخطبة هو: «فَيَا لَلّٰه وَلِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ» (المصدر نفسه، ص 49). يعبّر هذا السؤال عن الاحتجاج على الشورى بنبرة لاذعة ومثيرة للتأمل، داعيا المتلقي إلى الحكم. ضمن الوظيفة البينية، يحفّز هذا السؤال التأمل والتفاعل، ومن الناحية البنيوية، يوقظ العقل والقلب (الجاحظ، 1968م، ج 1، ص 87). * الاستشهاد الشعري والقرآني: يُثري الاستشهاد بشعر الأعشى "شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا"، وبالآية القرآنية «تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِª، تنوع البنية. يبدو أن هذه الاستشهادات ترتقي بالنص من خطاب بسيط إلى عمل أدبي وإلهي. يوجّه شعر الأعشى طعنة دقيقة للخلفاء؛ بينما تذكّر الآية بالقيم المتعالية. يعزّز هذا التنوع، ضمن الوظيفة النصية لهاليداي، التماسك، ويزيد، وفقا للوظيفة الشعرية لياكوبسون، من جماليات الكلام. 3ـ3. التحليل البلاغي 3ـ3ـ1. شرح التحليل البلاغي يتناول التحليل البلاغي دراسة الأدوات الجمالية والبلاغية، مثل: الاستعارة، والتشبيه، والجناس، والتضادّ، والتعجب، التي ترتقي بالكلام من الحالة العادية إلى مستوى فني مؤثر ومقنع. تعدّ هذه الأدوات التي تُوصف بروح الكلام الفصيح، عناصر أساسية، حيث ترسم الاستعارة والتشبيه الكلام بصور بصرية، ويضفي الجناس والتضاد إيقاعا وبريقا، مما يزيد من جودة الكلام وقوته، ويجذب المتلقي عاطفيا وفكريا (الجاحظ، 1968م، ج 1، ص 85 ـ 88). في التراث الإسلامي، تعدّ الاستعارات بلاغة راقية؛ إذ ترفع الكلام فوق حدوده العادية، وتجعله أكثر حيوية وتأثيرا (ابن أبي الحديد، 1959م، ج 1، ص 198). ويرى الإمام عبد القاهر الجرجاني أن الاستعارة دليل على انتقال المعنى من المحسوس إلى المعقول (1984م، ج 1، ص 63). في اللغويات الحديثة، تُعتبر هذه الأدوات جزءا من الوظيفة الشعرية، حيث تخلق الصور والإيقاعات، وتثري المعنى عبر الأشكال اللغوية، مرتقيةً بالخطاب إلى مستوى الكلام الشعري (یاکوبسون، 1960م، ص 358 ـ 366). يضع هاليداي هذه العناصر ضمن الوظيفة البينية؛ لأنها تنقل العواطف، وتعزّز العلاقة بين المتكلم والمتلقي، مضيفا أن الاستعارات والتشبيهات يمكن أن تلعب دورا في الوظيفة الفكرية؛ إذ تمثّل المفاهيم المجردة (1985م، ص 82). كما تعدّ السيميائيات الاستعارة أداة لخلق صور ذهنية حية (إکو، 1976م، ص 55). يساعد التحليل البلاغي على فهم كيفية التأثير الجمالي والعاطفي للنص، ويكشف في النصوص البلاغية، مثل: خطبة الشقشقية، عن دور هذه الأدوات في صياغة أسلوب متميز. 3ـ3ـ2. تحليل خطبة الشقشقية تعدّ خطبة الشقشقية، من الناحية البلاغية، كنزاً من الأدوات الجمالية، حيث تؤدي كل أداة دورا محددا في نقل المعنى والعاطفة: * الاستعارة: ـ «تَقَمَّصَهَا» (1414ﻫ، ص 48): تُصوَّر الخلافة كخلعة، يرتديها صاحبها؛ لكن من لا حق له فيها ينتزعها بالقوة. هنا، تتشكل الاستعارة البنيوية[19]، حيث يكون المجال المصدر هو الخلافة كثوب، والمجال الهدف هو اغتصابها بالقوة (لیکاف وجانسون، 1980م، ص 61 ـ 63). ـ «مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى» (1414ﻫ، ص 49): تُنتج هذه العبارة استعارة وجودية[20]، حيث المجال المصدر هو الرحى (طاحونة) التي يدركها المتلقي حسيا، والمجال الهدف هو المجتمع الإسلامي. ويصور الإمام نفسه كقطب الرحى (المحور) (لیکاف وجانسون، 1980م، 25 ـ 30). ـ «فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْبًا» (1414ﻫ، ص 48): تكوّن هذه العبارة استعارة بنيوية، تندرج تحت استعارة "الخلافة ثوب"، حيث يقوم الإمام (8)، بفعل استعاري معكوس؛ فبدلاً من ارتداء ثوب الخلافة، يُسدل بينه وبينها ثوباً (حاجزاً). ـ «تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا» (المصدر نفسه، ص 49): تتكون الاستعارة البنيوية والوجودية معا. في الاستعارة الوجودية، تُصوَّر الخلافة (المجال الهدف)، وهي مفهوم مجرد، كناقة حية مغذية (المجال المصدر). وفي الاستعارة البنيوية، يُصوَّر الصراع السياسي على السلطة (المجال الهدف)، كتقطيع وتوزيع عنيف (المجال المصدر). تُشبَّه الخلافة بناقة، يدوسها مدعيان، فيمزقانها من ضرعيها بجشع دون مراعاة، بل يشقانها نصفين للاستحواذ عليها. ـ «نَافِجاً حِضْنَيْهِ» (المصدر نفسه، ص 50): تُشبَّه تلهف الخليفة الثالث على الملذات الشخصية (المجال الهدف)، بشغف الناقة بأكل الأعشاب الربيعية (المجال المصدر). هذه الاستعارة البنيوية تصوّر الخليفة الثالث كناقة نهمة، فتعكس، بهذا التشبيه البليغ واللاذع، عدم أهليته لمنصب الخلافة. «شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ» (المصدر نفسه، ص 51): يُشبِّه الإمام (8) كلامه ومشاعره الداخلية حول الخلافة (المجال الهدف)، بصوت شقشقة الجمل الذكر الغاضب (المجال المصدر). تُنتج هذه الاستعارة البنيوية صورة، توصل المتلقي إلى عمق مشاعر الإمام حيال مسألة الخلافة. يرى فيركلاف أن الاستعارة أداة لتعزيز الخطاب النقدي (1995م، ص 44). هنا، قد أبرزت الاستعارات المحور النقدي للخطبة؛ إذ كشفت عن الظلم دون ذكر أسماء مباشرة. يبدو أن هذه الاستعارات، ضمن الوظيفة الفكرية لهاليداي، تجعل المفاهيم المجردة ملموسة، ومع الوظيفة الشعرية لياكوبسون، تخلق صورا حية، تجذب العقل والقلب. * التشبيه: ـ «كَعُرْفِ الضَّبُعِ» (1414ﻫ، ص 50): قد شُبِّه ازدحام الناس بعرف الضبع من حيث المظهر الفوضوي والهزيل وقلة القيمة. يرى العلامة الجعفري أن هذا التشبيه دليل على قبح الغصب (1375ﻫ.ش، ج 1، ص 180). وبحسب فاولر[21]، فهو أداة لإثارة العاطفة (1996م، ص 88). ـ «كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ» (1414ﻫ، ص 50): قد شُبِّه ازدحام الناس وفوضاهم بقطيع الغنم، مما يطعن في عدم إدراكهم الدقيق لمسألة الخلافة. ـ «كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ» (المصدر نفسه، ص 49): شبّه الإمام (8) الزعامة بمطيّة صعبة المراس، ووجه الشبه هو الحاجة إلى مهارة عالية. يُلمّح هنا ضمنيا إلى عجز الخليفة الثاني عن إدارة الأمور. ـ «خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ» (المصدر نفسه، ص 50): يرى فان دايك أن التشبيه مؤشر على قوة الخطاب في نقل التجربة (2006م، ص 126). يشير هذا التشبيه إلى جشع أقرباء الخليفة الثالث في نهب بيت المال، ويضع كفاءتهم موضع شك بشكل غير مباشر، مما يجعل تجربة اقترابهم من السلطة ملموسة. يبدو أن هذه التشبيهات، ضمن الوظيفة البينية لهاليداي، تنقل الطعن والتحقير، ومع الوظيفة الشعرية لياكوبسون، تعبّر عن النقد بأسلوب بصري وعاطفي. * السجع: ـ «فِي الْعَيْنِ قَذًى، وَفِي الْحَلْقِ شَجًا» (1414ﻫ، ص 48): يُضفي السجع بين "قَذًى" و"شَجًا" إيقاعا موسيقيا هادئا، يناسب وقع الألم المعبَّر عنه. ويُجسِّد هذا السجع ازدواجَ المعاناة الجسدية والنفسية، ممّا يجعل الصبر أثقل وأشدّ واقعيةً في وعي المتلقّي.
* التضاد: ـ «أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ» (المصدر نفسه، ص 49)، و«إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ» (المصدر نفسه). يرى الجاحظ أن التضاد «موضح للمعنى» (1968م، ج 1، ص 88). تُظهر هذه التضادات التوتّر الداخلي وصعوبة الموقف، وتدفع المتلقي إلى التأمل. 3ـ4. التحليل الدلالي 3ـ4ـ1. شرح التحليل الدلالي يُعنى التحليل الدلالي بدراسة معاني المفردات، والعبارات، والجمل في سياقها[22]. في الأسلوبية اللغوية، يستكشف هذا التحليل الطبقات العميقة للمعنى التي تتشكّل من تفاعل اللغة مع السياق التاريخي، والثقافي، والعاطفي. يرى فرديناند دو سوسور في كتابه دورة في اللغويات العامة، أن المعنى «مرتبط بنظام العلامات والسياق» (1916م، ص 112 ـ 115)، مؤكدا أن المفردات لا تحمل معنى في الفراغ، بل تكتسبه من خلال ارتباطها بالموقف ونيّة المتكلم. يعتبر هاليداي في مدخل إلى اللغويات الوظيفية الدلاليات جزءا من الوظيفة الفكرية (1985م، ص 80)، حيث تمثل التجارب ووجهات النظر، مضيفا أن السياق يشكل المعاني الضمنية. في التراث الإسلامي، يرى ابن ميثم البحراني في شرح نهج البلاغة أن معاني المفردات تعكس الظروف التاريخية والعاطفية للمتكلم (1362ﻫ.ش، ج 1، ص 250)؛ بينما يعتقد ابن أبي الحديد أن الثقل الدلالي العميق للمفردات في نهج البلاغة ينبع من سياقها التاريخي (1959م، ج 1، ص 198). يساعد هذا التحليل على فهم كيفية تشكل المعنى في النص وتأثيره على المتلقي، ويُظهر كيف تكتسب المفردات معاني ضمنية في سياق موقفي ونصّي محدد، مما يكشف عن دور السياق في إثراء المعنى الدلالي. 3ـ4ـ2. تحليل خطبة الشقشقية ـ «تَقَمَّصَهَا» (1414ﻫ، ص 48): تشير هنا إلى اغتصاب الخلافة، وتعبّر ضمنيا عن الظلم والانحراف. ـ «طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ» (المصدر نفسه، ص 48): الظلمة العمياء، تنقل شعور الضلال والخنق (ابن ميثم، 1362ﻫ.ش، ج 1، ص 251). هذه العبارة، في سياق سلب الخلافة، تُظهر الظلمة الأخلاقية للمجتمع. ـ «قَذًى وَشَجًا» (1414ﻫ، ص 48): الكلمتان "قَذًى" و"شَجًا" في عبارة "وَفِي الْعَيْنِ قَذًى، وَفِي الْحَلْقِ شَجًا"، تصوّران ألم الإمام الجسدي والروحي. يرى العلامة جعفري أن هذا التركيب استعارة للألم الداخلي (1375ﻫ.ش، ج 1، ص 180). ـ «نَهْبًا» (1414ﻫ، ص 49): نهب الميراث يعبّر عن التظلّم العميق (ابن أبي الحديد، 1959م، ج 1، ص 198). في الكوفة، كانت كلمة "نَهْبًا" تصوّر للناس الذين شهدوا فساد الخلافة، صورة حية لطمع الغاصبين؛ إذ رأوا الخلافة كغنيمة نُهبت. ـ «شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ» (1414ﻫ، ص 51): هذا التركيب يمزج بين الفوران والهدوء، والغضب والحكمة. 3ـ5. اللسانيات الوظيفية 3ـ5ـ1. شرح اللسانيات الوظيفية تعتبر اللسانيات الوظيفية اللغةَ أداة متعددة الأبعاد؛ فهي تعكس بُعد التجربة، وتنظّم بعد العلاقات، وتحقّق بعد التماسك (هاليداي، 1985م، ص 80)؛ لذا، ينبغي في تحليلها دراسة ثلاث وظائف رئيسة: الوظيفة الفكرية، والوظيفة البينية، والوظيفة النصية. وتوضيحا لذلك، فإن النهج الوظيفي الذي طوّره هاليداي، يرى اللغة، إلى جانب نقل المعنى، أداة للتأثير والتواصل (المصدر نفسه، ص 78)، ويعتبرها وسيلة لأداء وظائف اجتماعية. وهذه الوظائف الاجتماعية تتمثّل في ثلاث وظائف رئيسة: ـ الوظيفة الفكرية: اللغة وسيلة لتصوير الواقع والتجربة. يعكس المتكلم، من خلال المفردات والهياكل النحوية، الأحداث، والعلاقات السببية، والفاعلين والمفعولين (المصدر نفسه، ص 10 ـ 13). ـ الوظيفة البينية: تُستخدم اللغة لإقامة التفاعل الاجتماعي. من خلال النبرة، والضمائر، والأفعال المزاجية، والهياكل العاطفية، يحدّد المتكلم موقفه، ويؤثّر في المتلقي (المصدر نفسه، ص 13 ـ 16). ـ الوظيفة النصية: يجب أن تتمتّع اللغة بالتماسك والتسلسل. فالتكرار، والتوازي، والإحالات داخل النص، والترتيب المنطقي للجمل، تمنح النص إيقاعا وتناغما (المصدر نفسه، ص 16 ـ 21). 3ـ5ـ2. تحليل خطبة الشقشقية * الوظيفة الفكرية: تصوّر هذه الوظيفة في خطبة الشقشقية عالماً من الألم والظلم والمقاومة. يرى هاليداي أن هذه الوظيفة أداة لنقل المحتوى الذهني والموضوعي (المصدر نفسه، ص 80). من أبرز الأمثلة، العبارة «فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى، وَفِي الْحَلْقِ شَجًا» (1414ﻫ، ص 48)، التي تُجسّد ألم الإمام الجسدي والروحي إزاء سلب الخلافة. تُنتج كلمتا "قَذًى" و"شَجًا" صورا ملموسة لتجربة مؤلمة، كانت مألوفة لأهل الكوفة الذين شهدوا الظلم. ووفقا لفان دايك، فإن هذا التصوير جزء من الخطاب الاجتماعي الذي يعيد بناء الواقع للمتلقي (2006م، ص 126). في الكوفة، نقلت هذه العبارة تجربة الألم المشتركة إلى الناس، وكأن الإمام ينطق بلسان حالهم. إن العبارة الأخرى «فَاسْتَبَقَا إِلَيْهَا نَهْبًا» (1414ﻫ، ص 48)، تُصوّر الخلافة كغنيمة نُهبت. يعتبر مكارم الشيرازي هذه العبارة نقدا لطمع الغاصبين (1374ﻫ.ش، ج 1، ص 150)؛ بينما يرى ليونز[23] أن هذا المعنى نتيجة دلالات ثقافية (1977م، ص 212). بالنسبة لأهل الكوفة الذين عاينوا فساد الخلافة، كانت هذه الصورة تجسّد واقعا، يواجهونه يوميا. * الوظيفة البينية: تشكّل هذه الوظيفة التفاعل بين المتكلم والمتلقي. وفي خطبة الشقشقية، قد أقامت هذه الوظيفة علاقة عاطفية وإقناعية وهادية بين الإمام وأهل الكوفة. يرى هاليداي أن هذه الوظيفة أداة للتعبير عن المشاعر والتأثير (1985م، ص 80). من الأمثلة البارزة، عبارة «وَاللّٰه لَقَدْ تَقَمَّصَهَا» (1414ﻫ، ص 48)، التي تبدأ بالقسم باللّٰه. يعتبر الخوئي هذا القسم دليلا على التوكل والسلطة الروحية (1998م، ج 1، ص 128)، فهو قد أقام علاقة إلهية بين الإمام والمخاطبين. في الكوفة، وثق الناس الذين كانوا يبحثون عن الهداية، بالإمام كقائد يستند إلى اللّٰه عند سماعهم "وَاللّٰه". يرى فاولر أن هذا القسم علامة على الإقناع العاطفي (1996م، ص 88). في العبارة «فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَذَا أَحْجَى» (1414ﻫ، ص 49)، حيث یُشرك السياق المتلقّي مباشرة، يرى الجرجاني أن هذا الأسلوب دليل على الاهتمام بالجماعة (1984م، ج 1، ص 75)؛ بينما يصفه ليتش[24] بأنه أداة لإثارة التعاطف (1983م، ص67). في الكوفة، رأى الناس هذه العبارة كجزء من قرار الإمام، وكأنه يدعوهم إلى الصبر والتأمل. يعتبر فيركلاف هذا التفاعل علامة على الخطاب الاجتماعي الذي يعزز الهوية الجماعية (1995م، ص 44). في الكوفة، أظهرت هذه الجملة للناس أن الإمام قبل الخلافة من منطلق الواجب الإلهي، لا من طمع في السلطة، مما عزّز ثقتهم به. مقارنة بالخطبة 16 التي تحمل تفاعلاً حماسيا من خلال جمل أمرية، مثل: «فَاضْرِبْ بِالسَّيْفِ» (1414ﻫ، ص 74)، تُظهر الشقشقية علاقة أكثر حميمية وعاطفية. هذه الوظيفة جعلت المحاور العاطفية (التعاطف)، والاجتماعية (الدعوة)، والإلهية (الثقة) ملموسة، وجذبت الناس نحو الإمام. * الوظيفة النصية: تضمن هذه الوظيفة تماسك وتنظيم الكلام. وفي خطبة الشقشقية، قد أضافت هذه الوظيفة بنية منسجمة وإيقاعية. يرى هاليداي أن هذه الوظيفة أداة لتكامل النص (1985م، ص80)؛ بينما يعتبرها الرضي دليلاً على البلاغة في التماسك (1993م، ج 1، ص 48). من الأمثلة البارزة هو التوازي في «فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى، وَفِي الْحَلْقِ شَجًا» (1414ﻫ، ص 48). فهذا النمط بتكرار "وَفِي" قد خلق إيقاعا موسيقيا، جذب انتباه الجمهور المشتت في الكوفة. فالجمل القصيرة، مثل: «وَاللّٰه لَقَدْ تَقَمَّصَهَا» (المصدر نفسه)، قد عزّزت التماسك أيضا. يرى كريستال أن هذا الهيكل عامل إيقاع الكلام (1988م، ص 42)؛ بينما يعتبره سيبويه دليلا على الدقّة النحوية (1988م، ج 1، ص 42). في الكوفة، جعلت هذه الجمل الكلام موجزا ومؤثّرا، وكأن كل جملة تحمل رسالة مستقلة؛ لكنها مترابطة. فعبارة «شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ» (1414ﻫ، ص 51)، بجناسها وترتيبها الزمني، رفعت التماسك النصي إلى ذروته. يرى الجاحظ هذا النمط دليلا على موسيقى الكلام (1968م، ج 1، ص 85)؛ بينما يصفه بارت بأنه إعادة بناء الشعور في النص (1967م، ص 45). في الكوفة، قاد هذا الإيقاع الجمهور من الغضب إلى السكينة والهدوء. في المجمل، يُظهر التحليل الوظيفي أن خطبة الشقشقية خلقت أثرا متعدد الطبقات من خلال الوظيفة الفكرية (تصوير الألم والظلم)، والوظيفة البينية (التفاعل العاطفي والإقناعي)، والوظيفة النصية (التماسك والإيقاع). في الكوفة، جعلت هذه الوظائف المحاور العاطفية والاجتماعية والإلهية والنقدية ملموسة، وقادت الناس نحو العدالة والزهد. 3ـ6. تحليل اختيار المفردات[25] 3ـ6ـ1. شرح تحليل اختيار المفردات يركّز تحليل اختيار المفردات على دراسة الكلمات المحددة التي يختارها المتكلم ودلالاتها المعنوية والعاطفية والبلاغية. يفترض هذا النهج أن لكل كلمة، إلى جانب معناها الحرفي، حمولة عاطفية وثقافية واستراتيجية، وأن اختيارها يعكس النية والنبرة والهدف التواصلي. يوضح ياكوبسون أن «جزءا من الوظيفة الشعرية للغة يكمن في اختيار المفردات، حيث يتكوّن المعنى والشعور في ذهن المتلقي من خلال الاختيار الدقيق» (1960م، ص 356 ـ 357)، ويعتقد أن المفردات، كعلامات لغوية، يمكن أن تُحدث تأثيرا، يتجاوز المعنى الظاهري بفضل سياقها ونبرتها. يرى هاليداي أن اختيار المفردات جزء من الوظيفة الفكرية التي تعكس تجربة ومنظور المتكلم؛ وفي الوقت ذاته، في الوظيفة البينية، تُنظّم العلاقة العاطفية مع المتلقي، مؤكدا أن «الأداة الرئيسة لنقل النبرة والنية هي المفردات، ويتحوّل النص عبر اختيار المفردات إلى تجربة شخصية أو جماعية» (1985م، ص 90 ـ 92). في التراث البلاغي الإسلامي، يعتبر الجاحظ اختيار المفردات مفتاح الفصاحة، ويؤمن أن «كل كلمة، بحمولتها المعنوية وإيقاعها، تجعل الكلام جميلاً ومؤثرا» (1968م، ج 1، ص 85 ـ 86)؛ ويؤكد الجرجاني على دور الحالة النفسية للمتلقي في اختيار المفردات (1954م، ص 119). يساعد هذا التحليل على فهم إستراتيجية اختيار المفردات في النصوص البلاغية، ويُظهر كيف تشكّل اختيارات الكلمات النبرة والمعنى وتأثير الكلام. في خطبة الشقشقية، يمكن أن تُبرز اختيارات المفردات العاطفة أو الاستدلال أو النقد، وتُظهر الأسلوب المميز للإمام. 3ـ6ـ2. تحليل خطبة الشقشقية يظهر اختيار المفردات في خطبة الشقشقية مزيجا من الدقة والعمق العاطفي والقوة البلاغية، حيث تؤدي كل كلمة، بحمولتها المعنوية والعاطفية، دورا خاصا في نقل الرسالة. فيما يلي، يتم تحليل المفردات المحورية: ـ "تَقَمَّصَهَا" في بداية الخطبة: «أَمَا وَاللّٰه لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ» (1414ﻫ، ص 48). تم اختيار هذه الكلمة بدلاً من "أَخَذَهَا" أو "غَصَبَهَا". هذا الاختيار، بحمولته التصويرية والساخرة، يُشبّه اغتصاب الخلافة بارتداء ثوب غير مناسب، ويحفّز شعور التحقير والاحتجاج. ـ "طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ" في «أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ» (المصدر نفسه، ص 48). تم اختيار هذا التركيب بدلاً من كلمة أبسط، مثل: "ظُلْم". يُسمّي ابن ميثم هذا التعبير «جهل وضلال المجتمع» (1362ﻫ.ش، ج 1، ص 251). تنقل كلمتا "طَخْيَة" و"عَمْيَاءَ" معاً شعور الخنق والعمى الأخلاقي. هذا الاختيار، مع وظيفة هاليداي الفكرية، يجسّد الانحراف؛ ومع وظيفة ياكوبسون الشعرية، يخلق صورة مظلمة وعاطفية. ـ "قَذًى" و"شَجاً" في «فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى، وَفِي الْحَلْقِ شَجًا» (1414ﻫ، ص 48). تم اختيار هاتين الكلمتين بدلاً من "أَلَم". يُظهر هذا الاختيار الألم الجسدي والروحي بصور ملموسة ومؤلمة، ومع الوظيفة البينية، يحفّز التعاطف. الجناس بين الكلمتين يزيد من الإيقاع والعمق العاطفي. ـ "نَهْباً" في «أَرَى تُرَاثِي نَهْبًا» (المصدر نفسه، ص 49)، تم اختيار هذه الكلمة بدلاً من "مَسْلُوباً". فتنقل عبارة "نَهْبًا"، بحمولة النهب الحربي، شعور التظلّم العميق، ومع الوظيفة الفكرية، تجسّد سلب الحق. تُظهر هذه الكلمة، بحمولتها التحقيرية القوية، زهد الإمام في الدنيا بطريقة صادمة، ومع الوظيفة البينية، تعبّر عن الزهد بأسلوب مؤثر. فاختيار كلمة قاسية يترك أثرا عميقا. ـ "شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ" في عبارة «تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ» (المصدر نفسه، ص 51). تم اختيار هذا التعبير بدلاً من "كَلَام". تُحيي "شِقْشِقَةٌ"، و"هَدَرَتْ" الغضب والعاطفة بصورة صوتية حيّة؛ بينما تُظهر "قَرَّتْ" الحكمة. هذا الاختيار، مع الوظيفة الشعرية، يرفع النهاية إلى مستوى متعالٍ.
الخاتمة تعدّ خطبة الشقشقية، الخطبة الثالثة في نهج البلاغة، تحفة بلاغية وأدبية للإمام علي (8)، حيث عبّر فيها بأسلوب فذّ عن أزمة سلب الخلافة، ومعاناة الصمت، وقبول الحكم على مضض. يُظهر التحليل الأسلوبي لهذه الخطبة، باستخدام مناهج اللغويات الحديثة والبلاغة الإسلامية، تفرّدها في الجمع بين العاطفة، والنقد، والقيم الأخلاقية. يبرز هذا البحث، من خلال تحليل التكرار اللفظي، والبنية النحوية، والأدوات البلاغية، والدلالات، واختيار المفردات، أنه كيف استطاع الإمام خلق نصّ، يُقنع العقل، ويهزّ القلب، ويوجّه الروح نحو العدالة والزهد. التكرار اللفظي: تكرار مفردات، مثل: "الصبر" 4 مرات، و"الناس" 3 مرات، و"اللّٰه" 3 مرات، يعكس المحاور الأساسية للخطبة. فـ"الصبر" يجسّد الصمود الأخلاقي أمام الظلم؛ و"الناس" يُبرز النقد الاجتماعي لسلوك الجماعة؛ و"اللّٰه" يعزّز السلطة الروحية للنص. هذه التكرارات، وفقاً لياكوبسون، تعزّز الوظيفة الشعرية؛ بينما تُسهم، حسب هاليداي، في الوظيفة الفكرية بتصوير التجربة والبينية بإثارة التعاطف. كما تُبرز المفردات العاطفية، مثل: "قذًى"، و"شجاً، و"نهباً"، ألم الإمام، وتحوّل الخطبة إلى صرخة داخلية. البنية النحوية: تتميّز الخطبة بتنوّع بنيوي، يجمع بين الجمل القصيرة، مثل: "فصبرت"، والبنى المتوازية، كـ"يغلظ ... يخشن"، مما يخلق إيقاعاً موسيقياً وتماسكاً نصياً. الجمل القصيرة تنقل الغضب والإلحاح؛ بينما التوازي يعزّز النقد التاريخي بأسلوب منظم. السؤال البلاغي "فيا لَلّٰه وللشورى" يُحفّز التأمل، والاستشهاد بشعر الأعشى والقرآن يرفع النص إلى مستوى أدبي وإلهي. الأدوات البلاغية: تُثري الخطبة أدواتٌ، مثل: الاستعارة كـ"تقمّصها"، و"شقشقة هدرت"، والتشبيه كـ"كعرف الضبع"، والجناس كـ"قذىً ... شجاً". هذه الأدوات، حسب الجاحظ، تجعل الكلام حيّاً ومؤثّراً؛ بينما تسهم، وفق هاليداي، في الوظيفة البينية بتعزيز التفاعل العاطفي. الاستعارات تجعل المفاهيم المجردة ملموسة، والتشبيهات تحيي النقد بصور بصرية. الدلالات واختيار المفردات: تكشف الدلالات، حسب دو سوسور، ارتباط المعاني بالسياق التاريخي. فـ"تقمّصها" تُشير إلى الاغتصاب بسخرية، و"نهباً" تُعمّق التظلّم. اختيار مفردات، مثل: "قذى" و"شجا" يجعل الألم حسياً، و"عفطة عنز" يُبرز الزهد بأسلوب صادم. هذه الاختيارات تعكس إستراتيجية لغوية دقيقة، تحقّق أهدافاً عاطفية ونقدية. الوظائف اللغوية: حسب هاليداي، تجمع الخطبة بين الوظيفة الفكرية (تصوير الظلم)، والوظيفة البينية (إثارة التعاطف والثقة)، والوظيفة النصية (التماسك الإيقاعي). هذا التداخل يجعل النصّ تجربة كاملة، تحوّل الغضب إلى الحكمة، وتدعو إلى العدالة. الخلاصة: خطبة الشقشقية رحلة لغوية، تبدأ بالاحتجاج، وتتعمّق في الصبر والنقد، وتنتهي بالزهد والحكمة. بفضل أسلوبها المتعدد الطبقات، تظل بياناً خالداً للعدالة والمقاومة، يرتقي باللغة إلى ذروتها، ويترك أثراً عميقاً في المتلقي.
[1]. Madelung [2]. Halliday's Functional Theory [3]. Jakobson's Poetic Theory [4]. Fauconnier's Conceptual Blending Theory (CBT) [5]. Halliday's Functional [6]. Ideational Function [7]. Interpersonal Function [8]. Textual Function [9]. Lexical & Structural Frequency [10]. Jakobson [11]. Rhetorical Analysis [12]. Semantics [13]. Saussure [14]. Lexical Choices [15]. Functional Linguistics [16]. Lexical Frequency Analysis [17]. Semantic Fields [18]. Structural Analysis [19]. Structural Metaphor [20]. Ontological Metaphor [21]. Fowler [22]. Context [23]. Lyons [24]. Leech [25]. Lexical Choices | ||
| مراجع | ||
|
نهج البلاغة. (1414ﻫ). تصحيح صبحي صالح. قم: هجرت. شرح نهج البلاغة. (1959م). شرح عبد الحميد بن هبة اللّٰه بن أبي الحديد. القاهرة: دار الكتب العربي. ــــــــــــــــــــ. (1362ﻫ.ش). شرح ميثم بن علي بن ميثم البحراني. تهران: دفتر نشر الكتاب.
أ. العربیة الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. (1968م). البيان والتبيين. القاهرة: مكتبة الخانجي. الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن. (1954م). أسرار البلاغة. بيروت: دار الكتب العلمية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1984م). دلائل الإعجاز في علم المعاني. القاهرة: مكتبة الخانجي. الخوئي، أبو القاسم. (1998م). منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة. قم: دار الزهراء. الرضي، أبو الحسن محمد بن الحسين. (۱۹۹۳م). نهج البلاغة. تحقيق: محمد عبده. بيروت: دار الكتب العلمية. الزمخشري، أبو القاسم جار اللّٰه محمود بن عمر. (1979م). تفسير الكشاف. بيروت: دار الكتاب العربي. السكاكي، أبو يعقوب يوسف بن محمد. (1987م). مفتاح العلوم. بيروت: دار الكتب العلمية. سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان. (1988م). الكتاب. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. القاهرة: مكتبة الخانجي. الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير. (۱۹۹۲م). تاريخ الرسل والملوك. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. بيروت: دار الكتب العلمية.
ب. الفارسیة پرنوش، اشرف؛ و حامد صدقی. (1398ﻫ.ش). «سبكشناسی خطبه 87 نهج البلاغه: بر اساس رویکرد ساختارگرایی». پژوهشنامه نقد ادب عربی. ش 14(4). ص 33 ـ 51. جعفرى، محمدتقى. (1375ﻫ.ش). تفسير و نقد و تحليل نهج البلاغه. تهران: اسلامى. جوادى آملى، عبداللّٰه. (1388ﻫ.ش). تسنيم: تفسير القرآن الكريم. قم: مركز نشر اسراء. مكارم شيرازى، ناصر. (1374ﻫ.ش). پيام الامام: شرح نهج البلاغه. قم: دار الكتب الإسلامية. نظری، علی؛ کبری خسروی، و زهرا ابراهیمی. (1393ﻫ.ش). «سبكشناسی خطبه اشباح نهج البلاغه». پژوهشهای نهج البلاغه. ش 12(3). ص 45 ـ 62. یوسفی آملی، حسین؛ مصطفی کمالجو، و مریم اطهرینیا. (1396ﻫ.ش). «سبكشناسی لایه آوایی و واژگانی خطبه 221 نهج البلاغه». پژوهشهای نهج البلاغة. ش 15(2). ص 65 ـ 82.
ج. الإنجلیزیة بارت Barthes, R. (1967). Elements of Semiology. London: Jonathan Cape. کریستال Crystal, D. (2008). Txtng: The gr8 db8. Oxford: Oxford University Press. إکو Eco, U. (1976). A Theory of Semiotics. Bloomington: Indiana University Press. فِیرکْلاف Fairclough, N. (1995). Critical Discourse Analysis: The Critical Study of Language. London: Longman. فاولر Fowler, R. (1996). Linguistic Criticism. 2nd ed. Oxford: Oxford University Press. هاليداي Halliday, M. A. K. (1985). An Introduction to Functional Grammar. London: Edward Arnold. یاکوبسون Jakobson, R. (1960). Style in Language. Cambridge, MA: MIT Press. لیکاف وجانسون Lakoff, G, & Johnson, M. (1980). Metaphors we live by. Chicago: University of Chicago Press. ليتش Leech, G. N. (1983). Principles of Pragmatics. London: Longman. ليونز Lyons, J. (1977). Semantics. Cambridge: Cambridge University Press. مادلونغ Madelung, W. (1997). The Succession to Muhammad: A Study of the Early Caliphate. Cambridge: Cambridge University Press. سوسور Saussure, F. de. (1916). Course in General Linguistics. trans: W. Baskin. Paris: Payot.
فان دايك Van Dijk, T. A. (2006). Discourse and Context: A Sociocognitive Approach. Cambridge: Cambridge University Press. | ||
|
آمار تعداد مشاهده مقاله: 142 تعداد دریافت فایل اصل مقاله: 80 |
||