| تعداد نشریات | 44 |
| تعداد شمارهها | 1,911 |
| تعداد مقالات | 15,496 |
| تعداد مشاهده مقاله | 45,831,357 |
| تعداد دریافت فایل اصل مقاله | 18,546,824 |
تحليل القيود الأيديولوجية ومكانتها في ترجمة النصوص الإعلامية العربية دراسة في نقل أخبار الحرب اللبنانية نموذجا | ||
| بحوث في اللغة العربية | ||
| دوره 18، شماره 37، اسفند 2027، صفحه 113-128 اصل مقاله (616.96 K) | ||
| نوع مقاله: المقالة البحثیة | ||
| شناسه دیجیتال (DOI): 10.22108/rall.2026.148679.1658 | ||
| نویسندگان | ||
| فاطمه خلیفه1؛ علي اصغر شهبازي* 2؛ عليرضا شيخي3 | ||
| 1طالبة الماجستير في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الإمام الخميني الدولية، قزوين، إيران | ||
| 2أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الإمام الخميني الدولية، قزوين، إيران | ||
| 3أستاذ مشارك في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الإمام الخميني الدولية، قزوين، إيران | ||
| چکیده | ||
| إن الترجمة الإخبارية برزت باعتبارها أحد أكثر مجالات الترجمة حساسية وتأثيراً، نظراً لارتباطها المباشر بالإعلام وصناعة الرأي العام. فالخبر المترجم لا يقدّم، بوصفه نصّاً محايداً، بل يُعاد تشكيله، لينسجم مع سياسات المؤسسة الإعلامية وخطابها الموجّه للجمهور المستهدف. من هذا المنطلق، تهدف المقالة هذه إلى دراسة أثر الأيديولوجيا في ترجمة النصوص الإخبارية العربية المتعلّقة بالحرب اللبنانية ـ الإسرائيلية إلى اللغتين الفارسية والإنجليزية، من خلال تحليل عيّنات من البيانات والمواد الإعلامية اللبنانية، ومقارنتها بترجماتها المنشورة في وسائل إعلام إيرانية، وفي وسائل إعلام غربية. تُظهر نتائج هذه الدراسة المتواضعة التي انتهجت المنهج الوصفي ـ التحليلي، أنّ الترجمة لا تعمل، كوسيط لغوي محايد، بل تعيد تشكيل الخبر، وفق رؤية البيئة الإعلامية التي تستقبله، بحيث تتحوّل المفردات، والبنية، وزاوية العرض إلى أدوات، تنقل من خلالها مواقف أيديولوجية مختلفة. فالنصوص الفارسية تميل إلى الحفاظ على الخطاب العربي وتعزيز مكوّناته القيمية والتعبوية؛ بينما تعيد النصوص الإنجليزية صياغة الحدث ضمن إطار لغوي، يقلّل من حدّة الاصطلاحات، ويقدّم الرواية العربية، بوصفها تصريحاً، لا حقيقة مكتملة. وتبيّن الدراسة أنّ الكلمات لا تنتقل كما هي بين اللغات، بل تتبدّل دلالاتها بحسب السياق الثقافي والسياسي للغة الهدف، مما يجعل الترجمة الإخبارية جزءاً من صناعة السرد ونسج المعنى، لا أداة للنقل المجرد. وتؤكّد هذه النتائج ضرورة التعامل مع الأخبار المترجمة بحسّ نقدي، يدرك دور الأيديولوجيا في تشكيل الحدث عبر اللغات، ويفتح المجال أمام دراسات أوسع، تربط بين الترجمة والإعلام والوعي الجماعي في سياق الصراعات المعاصرة. | ||
| کلیدواژهها | ||
| الترجمة؛ الأيديولوجيا؛ النصوص الإخبارية؛ الخطاب؛ أخبار الحرب | ||
| اصل مقاله | ||
تُعدّ الترجمة الإخبارية إحدى الأدوات الحيوية لنقل المعلومات بين الثقافات، غير أنّ هذه العملية ليست دائماً محايدة. فالترجمة الإخبارية غالباً ما تتأثّر بالسياقات الثقافية والسياسية والأيديولوجية التي تعيد بناء النصوص، لتتوافق مع أهداف الوسيلة الإعلامية وجمهورها. انطلاقا من ذلك، فيحاول هذا البحث كشف دور الأيديولوجيا في ترجمة الأخبار المتعلّقة بالحرب بين لبنان وإسرائيل من اللغة العربية إلى اللغتين الإنجليزية والفارسية. ومن خلال تحليل النصوص المترجمة، يسعى البحث إلى الكشف عن كيفية استخدام الترجمة، لتعزيز الأهداف السياسية والأيديولوجية وإعادة صياغة الأحداث، بما يعكس مواقف الأطراف المختلفة. من منظور دراسات الترجمة، يُعرف مصطلح الأيديولوجيا على أنّه «مجموعة من المعتقدات أو القيم التي توجّه عمل المترجم، وتؤدّي إلى تغييرات في النصوص، لجعلها أكثر توافقاً مع ثقافة الجمهور المستهدف» (ماندي، 1397ھ.ش، ص 262). يری نورمان فيركلف[1] في كتابه، اللغة والسلطة، أنّ «الأيديولوجيات وثيقة الارتباط باللغة؛ لأنّ استعمال اللغة أشدّ صور السلوك الاجتماعي شيوعا» (2016م، ص 16). ويظهر تأثير الأيديولوجيا في الترجمة الإخبارية بوضوح في اختيار المفردات، وبنية النصوص، وطريقة تقديم المحتوى. فالترجمة ليست مجرّد عملية لغوية لنقل المعنى، بل أداة لإعادة بناء النصوص، تعكس الأيديولوجيا السائدة في الوسيلة الإعلامية، وتعيد إنتاج الرسائل، بما يتوافق مع أهدافها. ومن الجدير بالذكر، أنّ عدداً من الباحثين في مجالي اللسانيات ودراسات الترجمة أولوا اهتماماً خاصاً لمفهوم الأيديولوجيا. ومن أبرزهم لورنس ونوتي[2]، حيث درس مفهوم الأيديولوجيا الخفية في الترجمة، مؤكّدا على أنّ القرارات الترجمية، تعكس أيديولوجيا المترجم أو المؤسسة الإعلامية. كما تطرّق ليفيور[3] إلی دراسة الأيديولوجيا في إطار الثقافة والنص المستهدف، يری أنها واحدة من العناصر المؤثّرة في تحكّم النصوص الأدبية، ويصرّح أنّها تشمل شبكة من المفاهيم التي تجمع مجموعة من المواقف والرؤی الخاصّة في فترة زمنية محدّدة (پالامبو، 1390ھ.ش، ص 71 ـ 72). صرّحت مونا بيكر[4] في كتابها الترجمة والصراع: حكاية سردية[5]، بأنّ: إعلان الحرب واستمرارها يجب أن يُبرّر، ويُشرعن خطابيا؛ إذ يتوجّب علی الساسة أن يمهّدوا السبيل، لكيما تقبل الحرب، وتصبح التضحيات الإنسانية مبرّرة، بل لقد أصبح يجب أن تباع الحروب المعاصرة للجماهير العالمية، وليس فقط للجماهير المحلّية. وتمثّل الترجمة متغيّرا رئيسا مؤثّرا في ترويج وشرعنة السرديات التي تغذّي هذه الأنشطة. وأخيرا، فما إن تنطلق الحرب، حتی تبدأ تتخذ نمطيا محاولات بلوغ وإيجاد نهاية للصراع شكل اجتماعات، ومؤتمرات، وحلقات نقاش جماهيرية، فضلا عن المفاوضات السرية. وكلّ هذه الأنشطة تتطلّب توسّط المترجمين والمترجمين الشفاهيين (2018م، ص 53). في دراستنا المتواضعة، سيتمّ استخدام مجموعة من المصادر لتحليل النصوص الإخبارية. نختار النصوص الأصلية باللغة العربية من البيانات الرسمية لحزب اللّٰه ومن الأخبار والتقارير الصادرة عن وسائل الإعلام اللبنانية. أما الترجمات الإنجليزية فستكون من وسائل الإعلام الغربية، مثل: BBC وCNN، وهما من أهم المصادر الإخبارية لتغطية أحداث الشرق الأوسط للجمهور العالمي. وبالنسبة للترجمات الفارسية، فتستخدم النصوص المنشورة في وكالتي الأنباء فارس وتسنيم، واللتين تعكسان المواقف السياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. فبناء علی ما سبق، فتحاول هذه الدراسة الإجابة عن السؤالين التاليين، بالتركيز علی المنهج الوصفي ـ التحليلي: ـ كيف تؤثّر الأيديولوجيا في ترجمة الأخبار المتعلّقة بالحرب اللبنانية ـ الإسرائيلية في الإعلام الغربي والفارسي؟ ـ ما نتائج الفروق اللغوية والثقافية على تشكيل المعنى في النصوص الإعلامية المترجمة حول الحرب؟ 1ـ1. خلفیة البحث تطرّقت الدراسات السابقة إلى تأثير الأيديولوجيا على الترجمة الإعلامية ودورها في إعادة صياغة النصوص لخدمة مصالح ثقافية أو سياسية محددة. وقد أظهرت العديد منها أنّ الترجمة لا تقتصر على نقل المعنى اللغوي فحسب، بل تلعب فيها العوامل الثقافية والسياسية والأيديولوجية دوراً محورياً. وفيما يلي، نذكر من أهمّها: إحسان بخشنده (1387ھ.ش)، في دراسة بعنوان زبان و رسانه: نقش ايدئولوژى در ترجمه متون خبرى (= اللغة والإعلام: دور الأيديولوجيا في ترجمة النصوص الإخبارية)، تناول دور الأيديولوجيا وأثرها في نقل النصوص الإعلامية بالبحث، محاولا الكشف عن الاختلافات اللغوية بين الترجمات، سواء من حيث الحياد النسبي أم من حيث الحمولة الأيديولوجية الواضحة. عليرضا خان جان (1391ھ.ش)، في أطروحته بعنوان ايدئولوژى در ترجمه متون خبری: رويكرد تحليل انتقادى گفتمان (= أثر الأيديولوجيا في ترجمة النصوص الإخبارية: في ضوء التحليل النقدي للخطاب)، حاول أن يلقي الضوء علی ترجمة النصوص الإعلامية من منظور تحليل الخطاب. يری الباحث في دراسته أنّ للأيديولوجيا بالغ الأثر في ردود فعل المترجمين عند إنتاج النصوص الإخبارية الفارسية، حيث يمكن اعتبار الحدث المستهدف مجرّد إعادة سرد للحدث الأصلي. عشرت ميرحسيني (1402ھ.ش)، في دراستها الموسومة بتأثير ايدئولوژى در ترجمه: بررسى برگردان فارسى خبرى از واشنگتن تايمز (= أثر الأيديولوجيا في الترجمة: دراسة في الترجمة الفارسية لخبر من واشنطن تايمز)، ركّزت علی تحليل نص إعلامي حول العلاقات الإيرانية ـ الصينية من واشنطن تايمز. تشير نتائج الدراسة أنّ الحذف والاختزال من أهمّ إستراتيجيات المترجمين في نقل هذه النصوص. مسعود بوخلافة ومحبوبة بكوش (2019م)، في مقالة معنونة بتأثير الأيدئولوجيا في ترجمة عناوين الأخبار الصحفية السياسية، حاولا تتبّع تجسّد الأيديولوجيا وتأثيرها في ترجمة عناوين الأخبار السياسية. كشفت هذه الدراسة عن تقيّد مترجم عناوين الأخبار الصحفية السياسية بمعايير جمهور قرّاء الترجمة، وكذا تقيّده بالغاية التي يحدّدها زبون الترجمة. يری الباحثان أنّ دراسة الترجمة الصحفية عموما، وترجمة العناوين السياسية خصوصا، تتطلّب منهجية، تجمع بين نظرية الترجمة وجهود دارسيها المختلفة وبين المقاربات الخطابية التي تأخذ في الحسبان استخدام اللغة. تتميّز هذه الدراسة عن الأبحاث السابقة، بتركيزها على مقارنة ترجمة النصوص الإعلامية العربية إلى كلّ من الإنجليزية والفارسية في سياق الحرب اللبنانية ـ الإسرائيلية، مع تحليل الأبعاد الأيديولوجية واللغوية والثقافية وتأثيرها على إعادة إنتاج الأحداث، وهو ما لم تتناوله الدراسات السابقة بشكل متكامل، يجمع بين هذه اللغات والوسائل الإعلامية المختلفة.
2ـ1. النصوص الإعلامية وترجمتها يمثّل الإطار النظري العمود الفقري لأيّ بحث أكاديمي، حيث يحدّد المفاهيم الأساسية والنظريات المرجعية التي يقوم عليها التحليل. وفي سياق هذه الدراسة التي تتناول تأثير الأيديولوجيا على الترجمة الإخبارية، يصبح من الضروري استعراض الأطر النظرية التي تربط بين اللغة، والخطاب، والأيديولوجيا، ودراسة انعكاس ذلك على الترجمة، بوصفها أداة لإعادة بناء النصوص. كما يستدعي الأمر التوقّف عند بنية النصوص الإخبارية وخصائص وسائل الإعلام في بيئات مختلفة، لفهم طبيعة التباين في الترجمة باختلاف السياقات الثقافية والسياسية. فالترجمة تُعدّ من أقدم الأنشطة الإنسانية التي رافقت التواصل بين الشعوب والثقافات؛ إذ لم تكن مجرّد عملية لغوية بحتة، بل ممارسة معرفية وثقافية معقّدة، تهدف إلى نقل المعنى وإعادة إنتاجه في سياقات جديدة (لطفي پورساعدي، 1371ھ.ش، ص 63 ـ 66). وقد أشار مندي[6] في كتابه دراسات الترجمة، إلی فكرة الأيديولوجيا عند ليفيور[7]، ويری أنّ الترجمة تتجاوز الجانب اللغوي، لتشمل أبعاداً ثقافية وأيديولوجية وسياسية، حيث يتحكّم السياق الاجتماعي والثقافي في اختيارات المترجم بشكل كبير (ماندي، 1397ھ.ش، ص 264). وفي هذا الإطار، برزت الترجمة الإخبارية، باعتبارها أحد أكثر مجالات الترجمة حساسية وتأثيراً، نظراً لارتباطها المباشر بالإعلام وصناعة الرأي العام. فالخبر المترجم لا يقدّم، بوصفه نصّا محايدا، بل يُعاد تشكيله، لينسجم مع سياسات المؤسسة الإعلامية وخطابها الموجّه للجمهور المستهدف. ومن هنا، تنبع أهمية تحليل العلاقة بين الترجمة الإخبارية والأيديولوجيا؛ إذ یری الباحثون أنّ الترجمة في المجال الإعلامي يمكن أن تكون أداة للصراع السردي وإعادة بناء الوقائع، بما يخدم أجندات سياسية وثقافية معيّنة، وبالتالي فالترجمة «ليس مجرّد نقل نصّي محض من لغة إلى أخرى» (بيكر، 2018م، ص 13). كما ترتبط هذه الإشكالية أيضاً بعلاقة الترجمة مع اللغة والخطاب، حيث ينظر إلى النصوص الإخبارية، باعتبارها نصوصا خطابية، تبنى عبر إستراتيجيات لغوية، تهدف إلى الإقناع والتأثير؛ لذلك، فتعتبر «اللغة هي الأداة الأكثر تأثيراً في الترويج لكثير من الأيديولوجيات السياسية» (البشر، 2008م، ص 49). إن الخطاب الإعلامي ليس مجرد انعكاس للواقع، بل هو بناء أيديولوجي للواقع، وهو ما يجعل الترجمة جزءا من هذا البناء، وبالتالي، تصبح دراسة الترجمة الإخبارية دراسة مزدوجة: لغوية وخطابية من جهة، وأيديولوجية من جهة أخرى. لا شكّ، أنّ النصوص الإخبارية بحدّ ذاتها تحمل خصائص مميّزة، سواء من حيث بنيتها اللغوية أم أسلوبها الخطابي، مما يجعل ترجمتها تحدّياً خاصّاً، يتطلّب من المترجم أن يوازن بين الدقّة اللغوية، وسرعة نقل المعلومة، والالتزام بتوجّهات الوسيلة الإعلامية؛ وهذا ما يجعل الترجمة الإخبارية مجالاً خصباً لدراسة تفاعل اللغة مع الأيديولوجيا والخطاب السياسي. بناءً على ذلك، يهدف هذا الجزء من الدراسة إلى تقديم قاعدة نظرية لفهم الترجمة الإخبارية في علاقتها بالأيديولوجيا واللغة والخطاب، من خلال استعراض أهمّ المفاهيم والنظريات ذات الصلة، وتهيئة الأرضية لتحليل النصوص المترجمة في الأقسام التطبيقية من هذا البحث. 2ـ2. مفهوم الأيديولوجيا وعلاقتها باللغة تتعدّد مفاهيم الأيديولوجيا باختلاف المنطلقات الفكرية والفلسفية للباحثين، غير أنّ أغلبها يلتقي عند اعتبارها منظومة من الأفكار و المعتقدات التي تسهم في تشكيل رؤيتنا للعالم، وتوجّه سلوك الأفراد والجماعات. وبعبارة أخری، فإنّ الأيديولوجيا تشكّل أساس معرفة الأشخاص وطريقة تفكيرهم في المجتمع (آقاگل زاده، 1392ھ.ش، ص 36). تری بيكر أنّ الأيديولوجيا «مجموعة من المرجعيات، تتكوّن من محدّدات قيمية متداخلة، تساعدنا في تحديد رؤيتنا إلى العالم والتكيّف معه» (1984م، ص 69). يشير هول[8] إلى أنّ الأيديولوجيا «هي المرجعيات الذهنية، مثل: الأفكار، واللغة، والمفاهيم التي تعمل وفقها جماعات معينة في المجتمع، وتؤثّر في رؤية هذه الجماعات أثناء حراكها المجتمعي» (1986م، ص 29). إذن، فالأيديولوجيا لا تقتصر على الفرد فقط، بل تشمل الجماعات والمؤسّسات المختلفة، كما أنّها قابلة للتكيّف والتغيير، وفق السياق الإجتماعي والسياسي. ومن هنا، فيمكن القول إن الأيديولوجيا تمثّل إطاراً معرفياً وثقافياً، يوجّه الفعل والخطاب، ويعيد إنتاج القيم والمعايير داخل المجتمع. في سياق الترجمة، تلعب الإيديولوجيا دوراً محورياً في تشكيل النصوص المترجمة وإعادة بناء الوقائع ونقلها بطريقة، تعكس أيديولوجيا الجهة المترجمة وسياستها وتوجّهات جمهورها. فاختيار الكلمات، وترتيب المعلومات، واستخدام الأساليب اللغوية المختلفة لا تكون محايدة، بل تعكس رؤية الأيديولوجيا التي تتحكّم في إنتاج ترجمة النصوص الإعلامي. تعدّ اللغة المجالَ الأخصب الذي تنتعش فيه الأيديولوجيا، وتتجلّى من خلاله، كما يرى بعض أصحاب النظر أنّ كلّ خطاب هو بالضرورة خطاب أيديولوجي، ليس لأنّ اللغة تحمل في ذاتها طابعاً إيديولوجياً، وإنّما بسبب كيفية استخدامها وتوظيفها في الخطاب (ريبول[9]، 1996م، ص 45). فاللغة لا تقتصر على دورها في التواصل وحسب، إنّما تؤدّي أدواراً متعدّدة، تمسّ المعرفة، والسلطة، والإقناع، والتأثير، مما يجعلها أداة مركزية لإنتاج وتبرير الأيديولوجيا. من هذا المنطلق، فإنّ الأيديولوجيا تمارس وظيفتها عبر اللغة، لما للغة من قدرة هائلة على التنوّع في الاستخدام والتأثّر. لكن تبقى هذه القوّة رهن السياقات ومكانة المتكلّم. وعليه، فإنّ العلاقة بين اللغة والأيديولوجيا علاقة تبادلية، أي اللغة، تنتج الأيديولوجيا. والأيديولوجيا تعيد تشكيل اللغة. ويتجلّى ذلك بوضوح في النصوص الإخبارية المترجمة، من خلال اختيار المفردات وبناء الجمل وطريقة ترتيب المعلومات، وهي عناصر، تنعكس في التوجّهات الفكرية والسياسية للمؤسّسة الإعلامية. 2ـ2ـ1.المفردات الأيديولوجية في النصوص الإخبارية تلعب المفردات دوراً محورياً في تجسيد الأيديولوجيا داخل الخطاب الإعلامي؛ إذ يكفي أن نلاحظ كيف تُستعمل في تغطية وترجمة التغطيات الإعلامية لحرب حزب اللّٰه وإسرائيل، ألفاظٌ متباينة، تعكس توجّهات مختلفة: فالإعلام المؤيّد لحزب اللّٰه، يصفه بالمقاومة؛ بينما الإعلام المعارض له يصفه بالميليشيا أو الجماعات المسلّحة. وهذا الاختلاف في التسمية لا يعكس مجرّد اختيار لغوي، بل هو مؤشّر أيديولوجي، يعيد صياغة الحدث وتوجيه المتلقي نحو تفسير معين. 2ـ2ـ2. البنية النحوية الأيديولوجية إلى جانب المفردات، يظهر البعد الأيديولوجي أيضا في البنية النحوية للنصوص الإخبارية. فالإعلام الداعم لإسرائيل قد يترجم الأخبار، وفق اختيارات، تبرز الفعل الإسرائيلي، كمدافع عن نفسه؛ بينما يصوّر حزب اللّٰه في موقع المهاجم أو المبادر بالعنف. وعلى العكس في الترجمات التي تتوافق أيديولوجيتها مع أيديولوجيا المقاومة. وهذه التحوّلات النحوية في ترتيب الفعل والفاعل والمفعول ليست محايدة، بل تعمل على إعادة توزيع المسؤولية الأخلاقية والسياسية في هذه الحرب. 2ـ2ـ3. القوة والهيمنة في النصوص الإخبارية ترتبط اللغة الإعلامية أيضاً بمسألة القوّة والهيمنة، حيث تتحوّل الترجمة الإخبارية إلى مجال لإعادة إنتاج الخطاب المهيمن أو مقاومته. ففي تغطية حرب تموز 2006م، بين حزب اللّٰه وإسرائيل مثلاً، سعت وسائل الإعلام الدولية الكبرى إلى ترجمة وإبراز رواية إسرائيلية مدعومة بمصطلحات، مثل: الدفاع المشروع؛ بينما حاول الإعلام المؤيّد للمقاومة إبراز الانتصار التاريخي لحزب اللّٰه؛ وبذلك، يظهر كيف أنّ اللغة والترجمة تستخدمان كأداتين لصراع رمزي موازٍ للصراع العسكري، بما يجعل النصوص المترجمة ساحة للصراع، من أجل كلمة ضد كلمة أخرى (ألتوسير، 1979م، ص 46). 2ـ3. الترجمة والخطاب[10] 2ـ3ـ1. تعريف الخطاب وماهيته يُعرف الخطاب على أنه أكثر من مجرّد تراكيب لغوية أو جمل متتابعة، حيث «يتناول الهيكل العام أو البنية الكلية للنص[11] بالبحث» (يارمحمدي، 1391ھ.ش، ص 4). فهو منظومة تواصلية، تحمل في طيّاتها أبعادا اجتماعية وثقافية وأيديولوجية. فالخطاب لا يقتصر على ما يقال، بل يشمل أيضا الطريقة التي يقال بها، والظروف التي ينتج فيها، والأهداف التي يسعى لتحقيقها. ومن هنا، فينظر إليه كعملية ديناميكية، تتضمّن المرسل والمتلقي والسياق الذي يوجّه عملية التواصل، بما يجعل الخطاب أداة للتأثير والإقناع وتشكيل الوعي الجمعي. وهذا ما عبّر عنه تودورف، حين عرّف الخطاب بأنه «منطوق أو فصل كلامي، يفترض وجود راوٍ ومستمع وفي نية الراوي التأثير على المستمع بطريقة ما» (1993م، ص 48). فالخطاب يمثّل أكثر من مجرّد نقل للمعنى؛ إذ هو ممارسة اجتماعية، تعاد من خلالها صياغة الواقع عبر اللغة. فالخطاب ينشأ دائما في علاقة وثيقة بالبنية الفكرية والأيديولوجية للمجتمع، ويعمل على إعادة إنتاجها وتكريسها. ولذلك، فيمكن القول إنّ الخطاب فضاء تداخلي بين اللغة والثقافة والسلطة، يعكس في بنيته اللغوية وإستراتيجياته التنظيمية صراع القوى المهيمنة في المجتمع. انطلاقا من هذا التصوّر، فيصبح الخطاب أداة مركزية لفهم النصوص الإعلامية؛ لأنّه يوضّح كيف تتحوّل اللغة إلى وسيلة للتأثير السياسي والثقافي. وهنا، تتّضح أهمية دراسته في ارتباطه بالترجمة، حيث إنّ نقل الخطاب من لغة إلى أخرى لا يتمّ بصورة محايدة، بل يمرّ بعملية إعادة تشكيل، تعكس الأيديولوجيا الجديدة التي يعمل ضمنها المترجم. 2ـ3ـ2. الترجمة كفعل خطابي لا يمكن النظر إلى الترجمة، باعتبارها مجرد عملية نقل؛ إذ إنّها في جوهرها فعل خطابي، يعيد إنتاج النصوص في سياقات ثقافية واجتماعية جديدة. فالمترجم لا يتعامل مع وحدات لغوية معزولة، بل مع خطاب متكامل، يحمل في طيّاته أبعادا أيديولوجية وثقافية، ما يجعله مضطراً إلى اتخاذ قرارات، تتجاوز حدود اللغة، لتشمل إعادة صياغة الرسالة، بما يناسب الجمهور المستهدف؛ وبذلك، فإن الترجمة تمثّل امتدادا للخطاب؛ لأنّها لا تقتصر على نقل الكلمات، بل تُعيد بناء النص في إطار تداولي جديد، يخاطب متلقياً مختلفاً، ويخضع لشروط ثقافية وإعلامية مغايرة. وبهذا المعنى، يصبح المترجم وسيطا خطابيا، يعمل على تكييف النص الأصلي، ليتلاءم مع متطلّبات السياق الجديد، وهو ما يُضفي على الترجمة بعداً تأويلياً وأيديولوجياً في آن واحد. وتشير منی بيكر في إطار النظرية السردية إلى أنّ المترجم يشارك في إعادة بناء السرديات، من خلال خياراته اللغوية والخطابية، بحيث لا يقتصر عمله على النقل، بل يتدخّل في تشكيل الرواية الجديدة للأحداث، وفق منظور ثقافي أو سياسي محدّد. وهو ما يظهر بوضوح في الترجمة الإعلامية التي تُسهم في إبراز سرديات معينة وإخفاء أخرى، بما يعكس الصراع القائم بين الأيديولوجيات. وفي المجال الإعلامي بشكل خاص، تتّضح هذه العلاقة بشكل أكبر، حيث يواجه المترجم نصوصاً محمّلة بالمواقف والرؤى السياسية. فالاختيارات المتعلّقة بالمفردات والبنية النحوية وطريقة العرض ليست محايدة، بل تعكس خطاباً جديداً، قد يتقاطع أو يتعارض مع الخطاب الأصلي. وهكذا، تتحوّل الترجمة إلى أداة لإعادة صياغة السرديات الإعلامية وتوجيه المتلقي نحو قراءة معينة للحدث. 2ـ4. نظرة إلی أشكال التوجيه في النصوص الإخبارية تبنى النصوص الإخبارية على منظومة لغوية وخطابية دقيقة، تهدف إلى نقل المعلومة، غير أنّ هذا النقل لا يتمّ بمعزل عن خلفية فكرية وثقافية، تحكم عملية الإنتاج. فالبنية في الخبر الصحفي لا تمثّل مجرّد إطار تنظيمي، بل هي البناء الذي تتجلّى من خلاله رؤية المؤسسة الإعلامية للحدث وطريقتها في ترتيب عناصره. وتنبع أهمّيتها من كونها الوسيط الذي يجمع بين اللغة والسياق، وبين المضمون والأيديولوجيا (وردينژاد وبهرامي رشتياني، 1388ھ.ش، ص 100 ـ 102). يتشكّل التوجيه في النصوص الإخبارية، بوصفه الامتداد الطبيعي لبنيتها اللغوية والسردية؛ إذ لا يمكن فصل الشكل عن الوظيفة. فالنص الإخباري، وإن بدا محايدا في عرضه للوقائع، إلا أنّه يمارس نوعا من التنظيم المقصود للمعنى، يوجّه القارئ نحو تفسير معيّن للحدث. تبدأ مظاهر التوجيه من المستوى المعرفي، أي من مرحلة اختيار الحدث نفسه وتحديد زاوية تغطيته. فالانتقاء هنا يخضع لمعيار أيديولوجي، يحدّد ما يستحقّ النشر، وما يستبعد، ثم ينتقل إلى طريقة ترتيب الخبر وعرض عناصره. فالمعلومة التي تقدّم في بداية النص تكتسب مركزية دلالية؛ بينما تتحوّل المعلومة المؤجّلة إلى تفصيل ثانوي. بهذه الطريقة، يمارس النص سلطة خفية على ترتيب المعنى. كما يؤكّد فيركلاف علی أنّ «الأيديولوجيا المشتغلة في وسائل الإعلام هي أن يكون المعنی في خدمة السلطة. والأيديولوجيا بهذا المعنی هي مجموعة قضايا، توجد بصفة عامة كافتراضات مضمرة في النصوص. فهو يسهم في إنتاج علاقات السلطة غير متكافئة، وإعادة إنتاجها، وكذا علاقات السيطرة» (عبيدي، 2016م، ص 149). يعدّ الاختيار المعجمي أبرز أشكال التوجيه في الخبر؛ إذ تُستخدم المفردة لتشكيل الانطباع وتحديد موقع الفاعلين. فالتباين بين الاحتلال والقوّات الإسرائيلية، أو بين الشهيد والقتيل، ليس لغويا فحسب، بل دلالي وأيديولوجي في الوقت ذاته. فكلّ مفردة تُستدعى، لتؤدّي وظيفة في بناء الصورة الذهنية للحدث، كما يتجلى التوجيه على المستويين النحوي والتركيبي، من خلال التحكّم في صيغة الفعل وموقع الفاعل. فحين يُستخدم المبني للمجهول في قصف المبنى، تمحى هوية الفاعل، وتقدّم الواقعة كحدث غامض أو قدري. هذه التحوّلات الدقيقة تُسهم في إعادة بناء العلاقات بين الأطراف داخل النصّ، وتشكّل إحدى الأدوات الرئيسة لتوجيه القراءة. وتظهر الأيديولوجيا بوضوح أيضا في تمثيل الأصوات داخل الخبر. فالمساحة المخصّصة لتصريحات طرف ما أو ترتيب ظهور المتحدثين، تعبّر عن موقع السلطة داخل النص. عندما تبرز الوسيلة الإعلامية صوتا، وتهمّش آخر، فإنّها لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد بناءه، وفق ميزان القوى الذي تؤمن به. وبهذا، تتحوّل بنية الخبر إلى حقل دلالي، يعكس التفاعل بين اللغة والسياسة والثقافة (يارمحمدي، 1393ھ.ش، ص 162 ـ 163).
قبل البدء في التحليل اللغوي والمقارن للنصوص الإخبارية، لا بدّ من تحديد الرواية الإعلامية التي تتبنّاها كلّ بيئة؛ لأنّ الخبر، سواء في أصله أم في ترجمته، لا ينتج في فراغ، بل يصدر دائما عن منظور محدّد للحدث. وهكذا، فإنّ فهم زاوية النظر التي يعتمدها الإعلام الغربي أو الإيراني أو العربي اللبناني يشكّل شرطا أساسيا قبل مقارنة النصوص وتحليل كيفية انتقالها من لغة إلى أخرى. ومن المهمّ، التأكيد أنّ أياً من هذه البيئات لا يعمل بخطاب محايد تماما، بل تحمل كلّ منظومة إعلامية سردية خاصة، تحدّد من خلالها: من هو الفاعل؟ ومن المعتدي؟ وما السبب؟ وما النتيجة؟ ومن يمنح شرعية القوة؟ لذلك، فإنّ تحليل الترجمة في هذا البحث يقتضي فهم هذه السرديات قبل الانتقال إلى المستويات اللغوية والبنيوية. تتّضح الطبيعة الخطابية للترجمة بوضوح في مجال النصوص الإخبارية، حيث يواجه المترجم نصوصاً مشحونة بالمواقف والرؤى السياسية، ويجد نفسه مضطرّاً إلى إعادة إنتاجها في لغة أخرى، دون الإخلال بتوازنها الظاهري. تبدأ عملية إعادة البناء من المستوى المعجمي، حيث يعاد النظر في المفردات ذات الحساسية الأيديولوجية. فالاستبدال بين كلمات، مثل: العدوان والنزاع المسلّح، أو المقاومة والميليشيا، لا يغيّر الترجمة لفظياً فحسب، بل يُعيد تحديد زاوية الحدث وموقع أطرافه داخل السرد. إنّ هذه التعديلات اللفظية تسهم في إعادة توزيع القيم الأخلاقية داخل النص، بحيث تمنح الشرعية لطرف، وتنزع عن آخر. ويُضاف إلى ذلك البعد النحوي والتركيبي؛ إذ يعدّ التلاعب بصيغة الفعل وترتيب الجمل من أكثر الوسائل دقّة في إعادة تشكيل المعنى. فالتحوّل من صيغة المبني للمعلوم إلى المبني للمجهول، أو من ترتيب يبدأ بالفعل إلى ترتيب يتصدّره ردّ الفعل، يغيّر من البنية الأخلاقية للخبر، ويوجّه إدراك القارئ إلى تأويل مغاير للواقعة. 3ـ1. خصائص وسائل الإعلام الإخبارية يتبنّى الإعلام الغربي روايةً، تضع الأحداث ضمن منطق الأمن الدولي والسياسة الخارجية. فيعاد تقديم الأحداث ضمن إطار الإجراءات والردود، ما يجعل الخطاب يتبنّى رواية، تعتبر الدولة الغربية مرجعية للتفسير. فإنّه خطاب، لا يخلو من الانحياز؛ لكنه يقدّمه عبر مظهر مهني ولغة تقريرية، تقلّل من الظهور المباشر للموقف السياسي. يعتمد الإعلام الإيراني سردية واضحة، تعتبر الصراع مواجهة بين الهيمنة والمقاومة. اللغة هنا مباشرة محمّلة بالقيم الوطنية والدينية، وتبرز الفاعل المقاوم كصاحب شرعية دفاعية. إنها رواية، تُعيد بناء الخبر من خلال مفردات ثابتة وتفسير عقائدي للحدث. لا تقدّم البيئة العربية رواية موحّدة، بل تظهر فيها خطابات متنافسة بين التعبوي والمحايد والرسمي. وهذا التعدّد يؤثّر في شكل النصّ الأصلي، ويجعله حاملًا لسرديات مختلفة، تعاد ترجمتها لاحقاً بطرق متفاوتة. 3ـ1ـ1. الإعلام الإخباري في لبنان يتّسم الإعلام اللبناني بتنوّع داخلي واضح، تتجاور فيه سرديتان أساسيتان: ـ سردية، تعتبر حزب اللّٰه مقاومة، وتقدّم إسرائيل كعدوّ. ـ سردية، تعتمد لغة الاشتباكات والتوتّرات، وتقلّل من المعجم القيمي. هذا التباين لا ينعكس فقط على النصّ اللبناني، بل يؤثّر مباشرة في ترجمته إلى الإنجليزية والفارسية. على الرغم من وجود هذا التنوّع الإعلامي، سيعتمد هذا البحث على مصدرين أساسيين عند اختيار العيّنة النصية: ـ رواية المقاومة، كما تظهر في بيانات حزب اللّٰه الرسمية وخطاباته؛ لأنّها تمثّل التعبير الأكثر وضوحا عن خطاب المقاومة في تغطية الحرب. ـ الوكالة الوطنية للإعلام(NNA) ، بصفتها الجهة اللبنانية الأكثر اتّساقاً وموضوعية في أسلوب تحرير الأخبار، ما يجعلها مرجعاً مناسباً لاستخراج صياغة لبنانية رسمية، يمكن الاعتماد عليها في الدراسة. 3ـ2. تحليل مقارن لترجمة أخبار حرب لبنان وإسرائيل في الإعلام الإيراني والغربي 3ـ2ـ1. النموذج الأول ـ بيان صادر عن حزب اللّٰه: «المقاومة الإسلامية مستمرّة في الدفاع عن كرامة لبنان وشعبه في مواجهة العدوان الصهيوني، ولن تتراجع، مهما كانت التضحیات». ـ خبرگزاری فارس: «مقاومت اسلامی به دفاع از عزّت لبنان و مردم آن در برابر تجاوز رژیم صهیونیستی ادامه میدهد، و هرگز از مقاومت عقبنشینی نخواهد كرد، هرچند هزینهها سنگین باشد». ـ BBC: »The Islamic Resistance continues to defend Lebanon's dignity and its people against Israeli aggression and will not back down despite the sacrifices«. يقدّم البيان العربي خطابا مكثّفا وواضحا من حيث البنية اللغوية والدلالية. يبدأ النص باسم الفاعل "المقاومة الإسلامية"، وهو تقديم مقصود، يمنح المقاومة موقعا مركزيا ودورا فاعلا في الحدث، ويُبرزها، بصفتها صاحبة شرعية دفاعية. تأتي صيغة الفعل "مستمرة في الدفاع"، لتعزّز فكرة الثبات والاستمرارية لا الفعل المؤقت، مما يرسّخ صورة المقاومة، كقوّة حامية ودائمة. ويربط النص فعل المقاومة بهدف أخلاقي ووطني، يتمثّل في "كرامة لبنان وشعبه"، حيث تُستخدم الكرامة، باعتبارها قيمة عليا، تتجاوز المصلحة المادية أو السياسية، وتشمل الجماعة الوطنية بأكملها. أمّا الطرف المقابل، فيُسمّى بوضوح "العدوان الصهيوني"، وهو تعبير ذو حمولة أيديولوجية عالية، يجسّد الآخر كفاعل معتدٍ ومنزوع الشرعية. ويختتم النص بالجملة "لن تتراجع مهما كانت التضحيات"، التي تتضمّن نفياً مطلقاً واستعداداً لا محدوداً لدفع الثمن، ما يمنح الخطاب بعداً رسالياً، يعكس طبيعة الخطاب المقاوم. تحافظ ترجمةBBC على الهيكل العامّ للبيان العربي، إلا أنّها تُعيد تشكيل بعض العناصر، بما يتناسب مع أسلوب الخطاب الغربي. يبدأ النص بـ"The Islamic Resistance continues to defend …"، وهي صيغة، تحافظ على مفهوم الاستمرارية وعلى طبيعة الفعل الدفاعي. كما أنها تنقل "كرامة لبنان وشعبه" بشكل مباشر عبر"Lebanon's dignity and its people" ، غير أنّ العنصر الأكثر دلالة يظهر في اختيار " Israeli aggression" بدل "العدوان الصهيوني". فبينما يحمل المصطلح العربي طابعا عقائديا وأيديولوجيا واضحا، تقدّمBBC الطرف المقابل، بصفته دولة معترفاً بها، لا مشروعا أيديولوجيا، مما يعكس التوجّه الغربي الذي يتجنّب استخدام مصطلح "Zionis" في الأخبار اليومية، ويعتمد خطاباً سياسياً مؤسساتياً. كذلك، تُخفَّف درجة التوكيد في نهاية النص من خلال "will not back down despite the sacrifices"، حيث يقدّم التعبير "رغم التضحيات" درجة التزام أقل حدّة من "مهما كانت التضحيات"، مما ينسجم مع خطاب إعلامي، يسعى للحفاظ على توازن لغوي، دون الانخراط الكامل في الموقف العاطفي للنص الأصلي. تعيد ترجمة فارس إنتاج البيان العربي ضمن إطار أيديولوجي أكثر وضوحا وانسجاما مع الخطاب الإعلامي الإيراني. فالنص يبدأ بـ"مقاومت اسلامی"، وهو نقل حرفي للفاعل؛ لكنه يأتي ضمن سياق لغوي، يجعل "المقاومة" مفهوماً محمّلاً بالرمزية الدينية والوطنية في الثقافة الإيرانية. وتترجم "كرامة لبنان" إلى "عزّت لبنان"، وهي كلمة أكثر ثقلًا في الوجدان الفارسي، تجمع بين الشرف والكرامة والقيمة الأخلاقية العليا. أمّا الطرف المقابل، فيظهر تحت تسمية "تجاوز رژیم صهیونیستی"، حيث تستخدم الترجمة مصطلح "النظام الصهيوني"، بدل "إسرائيل"، وهو ما يعكس الرواية الرسمية الإيرانية الرافضة للاعتراف بالدولة الإسرائيلية. وتضيف الترجمة عنصرا دلاليا أقوى من النص الأصلي عبر استخدام "هرگز" بمعنى "أبدا"، وهو توكيد مطلق، يفوق في حدّته صيغة "لن تتراجع"، كما تُعاد صياغة "التضحيات" بعبارة "هزینهها سنگین باشد" (التكاليف الثقيلة)، مما يبرز البعد التضحوي، ويقرّبه من خطاب الصمود والمواجهة. جدير بالذكر أنّ كلا من ترجمتيBBC ووكالة فارس تحافظان على الهيكل الأساسي للخطاب العربي، غير أنّ طريقة إعادة بناء المعنى تختلف، تبعاً للنظام الإعلامي الذي يعمل فيه كلّ منهما. فالبيان العربي يقدّم رواية مقاومة واضحة، ترتكز على فعل الدفاع وعلى ثنائية الكرامة / العدوان، ويستخدم تسمية أيديولوجية صريحة للعدو عبر مصطلح "العدوان الصهيوني". أمّا ترجمة BBC، ورغم احتفاظها بمعنى الاستمرار في الدفاع وبالمفاهيم الأساسية كـ"كرامة لبنان" و"الشعب"، فإنها تدخل تعديلًا دلاليا مهمّا، يتمثّل في استخدام "Israeli aggression" بدل "الصهيوني"، وهو اختيار، يحوّل تسمية الطرف الآخر من توصيف أيديولوجي إلى توصيف سياسي ـ حكومي، بما يتناسب مع الخطاب الغربي السائد. كذلك، تخفّفBBC من نبرة الالتزام المطلق في الجملة الختامية، ليصبح "رغم التضحيات" بدل "مهما كانت التضحيات"، ما يحدّ من مستوى الشحنة العاطفية الموجودة في النص العربي. 3ـ2ـ2. النموذج الثاني ـ الوكالة الوطنية للإعلام: »في 25 مايو / أيار 2000، حرّرت المقاومة اللبنانية جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي بعد 22 عاما من الاحتلال، بفضل جهود جماعية ومؤسساتية، قدّمت خلالها شخصيات بارزة أرواحها دفاعا عن الوطن». ـ خبرگزاری فارس: »در ۲5 مه ۲۰۰۰، مقاومت لبنان جنوب لبنان را پس از ۲۲ سال از اشغال اسرائیل آزاد كرد. این پیروزی با تلاشهای جمعی و نهادی و با فداكاری شخصیتهای برجستهای كه جان خود را در راه دفاع از وطن از دست دادند، حاصل شد». ـ BBC: »On May 25, 2000, the Lebanese resistance liberated South Lebanon from Israeli occupation after 22 years. This victory was achieved through collective and institutional efforts, with prominent figures sacrificing their lives to defend the homeland«. من الملاحظ أنّ النصّ العربي يقدّم رواية واضحة لتحرير الجنوب سنة 2000م، ويرتكز على بنية لغوية، تبرز المقاومة بصفتها الفاعل المركزي. تبدأ الجملة بالفعل "حررت"، وهو فعل، يسند مباشرة إلى "المقاومة اللبنانية"، مما يمنحها موقع القوة الفاعلة والمؤثّرة وصاحبة الإنجاز التاريخي. ويرد "الاحتلال الإسرائيلي" بصيغة تقريرية خالية من التلطيف، ما يحدّد بوضوح طبيعة الطرف المقابل. كما يربط النص عملية التحرير بعاملين أساسيين: "الجهود الجماعية والمؤسساتية" من جهة، و"تقديم شخصيات بارزة أرواحها دفاعاً عن الوطن" من جهة أخرى، ما يخلق سردية وطنية شاملة، تدمج بين العمل الجماعي والتضحيات الفردية. ويعتمد الخطاب هنا لغة وطنية متوازنة، تبتعد عن التعابير الأيديولوجية المباشرة، وتقدّم التحرير، باعتباره ثمرة تلاقٍ مؤسساتي وشعبي. تحافظBBC على البنية الأساسية للنصّ العربي؛ لكنها تعيد تقديمه ضمن لغة تقريرية منسجمة مع الأسلوب الإخباري الغربي. يتّسم النصّ الإنجليزي بانضباط لغوي، يخلو من التقييم العاطفي، ويقدّم المعلومات ضمن إطار موضوعي ظاهر دون التماهي الكامل مع نبرة النص العربي؛ لكنه لا يخفّف أي عنصر دلالي أساسي في الرواية. تقدّم الترجمة الفارسية النصّ ضمن إطار لغوي قريب جدّا من النص العربي؛ لكنها تشتمل على عناصر، تقوّي البعد العاطفي والرمزي للحدث. فالفعل "آزاد كرد" (حرّر)، يحافظ على قوّة الفعل العربي، ويأتي "اشغال اسرائیل" ترجمة مباشرة لـ"الاحتلال الإسرائيلي". وتعتمد الترجمة عبارة "این پیروزی" (هذا الانتصار)، وهي صياغة أقرب إلى الخطاب الاحتفالي، وتضفي نبرة تقييمية إيجابية على النص. كذلك، يبرز التعبير "فداكاری شخصیتهای برجسته" (تضحية الشخصيات البارزة)، وهو اختيار لغوي، يعزّز صورة الفعل البطولي. وتستعمل فارس عبارة "در راه دفاع از وطن" (في سبيل الدفاع عن الوطن)، وهي مطابقة معنوية للنصّ العربي؛ ولكنها تحمل في الفارسية بعداً عاطفياً أعمق بسبب ارتباط "وطن" في الثقافة الإيرانية بمفاهيم التضحية والشهادة. وهكذا، تنقل فارس النص، كما هو تقريبا، مع تكثيف طفيف في الشحنة الرمزية. تكشف مقارنة الترجمتين الإنجليزية والفارسية بالنسبة للنصّ العربي عن ثلاثة اتّجاهات خطابية مختلفة في تمثيل الحدث نفسه. فالنص العربي الصادر عن الوكالة الوطنية يعتمد أسلوباً وطنياً رصيناً، يقدّم التحرير، بوصفه إنجازا جماعيا، شاركت فيه المؤسّسات والشخصيات، مع تسمية واضحة للطرف المعتدي من دون حمولة أيديولوجية مباشرة. أما BBC، فتلتزم نقل الرواية اللبنانية كما هي، دون حذف أو إعادة صياغة جوهرية؛ لكنها تقدّمها ضمن أسلوب غربي محافظ، يقوم على اللغة التقريرية والحياد الظاهري، حيث تُذكر الوقائع كما هي، ويُستخدم مصطلح "Israeli occupation" دون إضافة أو تعليق. وبذلك، تبقى الرواية كما هي، لكن ضمن قالب صحفي دولي، لا يتبنّى النبرة الوطنية. في المقابل، تأتي الترجمة الفارسية أكثر قربا من روح النص العربي، بل تتجاوزه في بعض المواضع. فهي تحافظ على مفهوم التحرير، وعلى فعل المقاومة المركزي، وعلى ذكر الاحتلال؛ لكنها تضيف طبقة دلالية ذات بعد بطولي من خلال استعمال "این پیروزی" والإيحاء بالتضحية والشهادة. وبهذا، تتحوّل الترجمة الفارسية من مجرّد نقل للمعنى إلى إعادة إنتاج خطاب، يؤكّد قيمة الانتصار، ويعزّز رمزيته، بما ينسجم مع الرواية الإيرانية الداعمة للمقاومة. 3ـ2ـ3. النموذج الثالث ـ بيان صادر عن حزب اللّٰه: «رداًّ أولياً على مجزرة البيجر وأجهزة اللاسلكي التي ارتكبها العدو الصهيوني الغاشم يومي الثلاثاء والأربعاء، قامت المقاومة الإسلامية بقصف مُجمّعات الصناعات العسكرية لشركة رفائيل المتخصصة بالوسائل والتجهيزات الإلكترونية والواقعة في منطقة زوفولون شمال مدينة حيفا بعشرات الصواريخ من نوع فادي 1 وفادي 2 والكاتيوشا». ـ وكالة تنسيم: «در پاسخ اولیه به كشتار پیجر و دستگاههای بیسیم كه دشمن صهیونیستی و متجاوز روزهای سهشنبه و چهارشنبه مرتكب شد، مقاومت اسلامی مجتمعهای صنایع نظامی شركت رافائل متخصص در وسایل و تجهیزات الكترونیكی واقع در منطقه زوفولون در شمال شهر حیفا را با دهها موشك از نوع فادی ۱، فادی ۲ و كاتیوشا هدف قرار داد». ـ CNN: »Hezbollah said the strikes were ‘an initial response to the pager and walkie-talkie massacre’ and targeted a military-industrial complex in northern Haifa. The group named the targeted complex as belonging to the Israeli defense contractor Rafael«.
يقدّم البيان العربي خطابا عالي النبرة قائما على توصيف حدث "مجزرة البيجر" بطريقة، تُظهر حجم الانتهاك المرتكب، من خلال استعمال كلمة "مجزرة" المحمّلة بالبعد الإنساني، ثم إضافة وصف "العدوّ الصهيوني الغاشم" الذي يجمع بين التسمية السياسية "الصهيوني" والحكم الأخلاقي "الغاشم". هذا البناء اللغوي يحدّد موقع كلّ طرف بوضوح: المقاومة في موقع "الرد"، وإسرائيل في موقع "العدوان". كذلك، يركّز البيان على دقّة العملية العسكرية، من خلال ذكر المواقع "زوفولون شمال حيفا" والأهداف "مجمعات الصناعات العسكرية لرافائيل" وأنواع الصواريخ، مما يعزّز صورة الردّ المنظّم، ويمنحه شرعية عسكرية وسياسية في آن واحد. تعيد الترجمة الفارسية إنتاج النص العربي بروح قريبة جدّا منه، بل وتمنح بعض أجزائه قوة إضافية؛ إذ تُترجم "مجزرة البيجر" إلى "كشتار پیجر"، وهو نقل مباشر، يحافظ على شحنة الكلمة. كذلك، تستخدم الترجمة توصيفين للفاعل الإسرائيلي: "دشمن صهیونیستی" و"متجاوز"، وهذا التعبير المزدوج يوسّع الحكم الأخلاقي والسياسي الموجود في النصّ العربي. وتأتي جملة "مقاومت اسلامی … هدف قرار داد"، بصيغة قوية شائعة في الخطاب الإيراني، تعكس فاعلية مباشرة للمقاومة. كما تحتفظ الترجمة بكامل التفاصيل العسكرية، وتعطيها حضورا واضحا، ما يجعل النصّ الفارسي أقرب إلى خطاب المقاومة نفسه لا مجرّد نقله. تظهر المقارنة أنّ الترجمتين تنطلقان من النصّ العربي نفسه؛ لكنّهما تعيدان تشكيله، وفق رؤيتين مختلفتين جذريا، تعكسان الأيديولوجيا السائدة في كلّ منظومة إعلامية. فالترجمة الفارسية تعمل على تثبيت الخطاب العربي وتعزيزه. فهي تحافظ على مصطلحات، مثل: "العدو الصهيوني"، بل تضيف إليها "متجاوز"، وتبقى على التفاصيل العسكرية كاملة، وتستخدم صياغات لغوية قوية، مما يجعل النصّ الفارسي نسخة أيديولوجية متضخّمة من النص الأصلي منسجمة مع الخطاب الإيراني الداعم للمقاومة. أما ترجمةCNN ، فتقوم على إعادة بناء الخطاب العربي بشكلٍ، يخفّف حدّته السياسية. فتستبدل تسميات محايدة ظاهريا "Israeli defense contractor"، بالتراكيب القيمية، كـ"الغاشم، والصهيوني، والعدو"، كما تسند الرواية إلى حزب اللّٰه عبر "Hezbollah said"، وتلغي تفاصيل الصواريخ، وتحوّل الفعل من ردّ مباشر إلى "تصريح سياسي". وتصبح الترجمة الإنجليزية بذلك أقرب إلى خطاب، يقدّم الحدث من منظور إعلامي غربي، يعتبر إسرائيل دولة شرعية، ويعتبر الرواية العربية وجهة نظر لا حقيقة مطلقة. 3ـ2ـ4. النموذج الرابع ـ بيان صادر عن حزب اللّٰه: »إلى كل القاطنين في المستوطنات المذكورة في هذا البيان ... يُطلب إليكم الإخلاء فوراً. مستوطناتكم تحوّلت إلى مكان انتشار واستقرار لقوّات العدوّ العسكرية التي تهاجم لبنان، وبفعل ذلك، أصبحت أهدافاً عسكرية مشروعة للقوة الجوية والصاروخية في المقاومة الإسلامية». ـ وكالة تنسيم: «خطاب به ساكنان شهركهای صهیونیستنشین ... از شما خواسته میشود فوراً این مناطق را تخلیه كنید. شهركهای شما به پایگاهها و محل استقرار نیروهای نظامی دشمن تبدیل شدهاند، كه به لبنان حمله میكنند. لذا، این شهركها به اهداف نظامی مشروع برای یگانهای موشكی و پهپادی مقاومت اسلامی تبدیل شدهاند«. ـ BCC: »Hezbollah has issued an evacuation warning to residents of 25 Israeli settlements in the north, telling them to 'evacuate immediately'. The group said the areas had become 'legitimate military targets' because Israeli troops were stationed there. The Iran-backed group is mirroring the evacuation orders the IDF has frequently issued to residents in southern Lebanon«. يبنى النصّ العربي على أيديولوجيا واضحة، تُعرّف الواقع قبل أن تصفه. وتظهر هذه الأيديولوجيا منذ المصطلح الأول: "المستوطنات". فاختيار كلمة "مستوطنات" بدل "بلدات، قرى، مدن"، ليس مجرّد تسمية جغرافية، بل يحمل موقفا سياسيا، يجرّد المكان من طابعه المدني المحض، ويقدّمه، باعتباره جزءا من مشروع استيطاني. ثم ينتقل النص إلى مصطلح "العدوّ" في عبارة "قوّات العدوّ العسكرية"، وهو مصطلح، يثبت ثنائية صراعية حادّة "نحن"، و"هم"، ويُلغي أي تموضع محايد في توصيف الطرف الآخر. بعد ذلك، يعمل النص على بناء شرعية الفعل عبر منطق سببي صريح: المستوطنات "تحوّلت إلى مكان انتشار واستقرار لقوّات … تهاجم لبنان". ومن هنا، تصبح "أهدافا عسكرية مشروعة". كلمة "مشروعة" هنا هي قلب البناء الأيديولوجي. فهي لا تكتفي بوصف الهدف، بل تمنح الفعل إطارا قانونيا وأخلاقيا داخل سردية المقاومة، أي أنّ الشرعية تستمدّ من تحويل المكان إلى وظيفة عسكرية بفعل وجود القوّات فيه، لا من الاعتبارات المدنية للسكّان. هكذا، تصبح اللغة أداة لإعادة تعريف المكان والسكّان والشرعية في جملة واحدة: المستوطنات لم تعد فضاءً مدنياً، بل موقعاً عسكرياً؛ وبذلك، فيصبح التحذير جزءا من منطق الشرعية لا منطق التهديد. أما الترجمة الفارسية، فتحافظ على الإطار الأيديولوجي العربي؛ لكنها تعيد إنتاجه بوضوح أشدّ في مستوى المصطلح. فالتعبير "شهركهای صهیونیستنشین" لا يكتفي بترجمة "المستوطنات"، بل يضيف توصيفا، يربط المكان مباشرة بالهوية الأيديولوجية "الصهيونية"، أي أنّ الأيديولوجيا تصبح جزءاً من تعريف المكان نفسه. كما أنّ نقل "مشروعة" إلى "مشروع" يحافظ على جوهر الشرعنة، ويقدّم التحذير، بوصفه فعلا مؤسّسا على حقّ مبرّر. كذلك، تستخدم الترجمة عبارة "نیروهای نظامی دشمن" (القوات العسكرية للعدو)، وتبقي ثنائية العدو / المقاومة، كما هي، مما يعني أنّ الترجمة لا تنزع حمولة المصطلحات، بل تثبّتها داخل سردية مشتركة. والأوضح من ذلك، أنّ الترجمة تضيف تحديدا تشغيليا: "یگانهای موشكی و پهپادی"، وهو تفصيل غير وارد حرفيا في النصّ العربي؛ لكنه ينسجم أيديولوجياً مع خطاب الردع في الإعلام الإيراني، ويُظهر "القدرة" كجزء من الرسالة. بهذا المعنى، الترجمة الفارسية لا تترجم المعنى فقط، بل تترجم زاوية النظر نفسها، وتقوّي إشارات الشرعية والمواجهة في النص. أما أيديولوجيا ترجمةBBC ، فتظهر بطريقة مختلفة، ليس عبر تكثيف المصطلحات، بل عبر إعادة تنظيمها وتأطيرها ضمن سردية بديلة. فالنص العربي يخاطب السكّان مباشرة داخل صيغة إنذار "يُطلب إليكم الإخلاء فورا"؛ أما هذه القناة الخبرية، فتقدّم الأمر بوصفه "خبرا عن خبر" من خلال "Hezbollah has issued ..." و"The group said ..."، أي أنّ الخطاب يتحوّل من توجيه مباشر إلى رواية منسوبة. وأما على مستوى المصطلح، فتستخدم BBC "Israeli settlements"، وهي ترجمة قريبة شكليا من "مستوطنات"؛ لكنها تخرج الكلمة من شحنتها في السياق العربي المقاوم؛ ومرجع ذلك أنّ التسمية تقدّم هنا كتعريف وصفي داخل خطاب دولي، لا يحمل بالضرورة نفس حكم اللاشرعية الذي يستحضره المصطلح عربيا. وتبقيBBC عبارة"legitimate military targets"؛ لكنها تضعها بين علامتي اقتباس، وتنسبها إلى الحزب، مما يجعل المشروعية ليست فقط حقيقة لغوية داخل النص، بل ادعاء منسوب لطرف. ثم تأتي أوضح النقلة الأيديولوجية في الجملة الأخيرة "The Iran-backed group is mirroring...". فبدل أن يبقى النص تحذيرا مبنيا على تحويل المستوطنات إلى مواقع عسكرية، يُعاد تقديمه ضمن إطار تفسير سياسي، يربط الفعل بالمحور الإيراني، ويصفه بأنّه محاكاة لأسلوب الجيش الإسرائيلي. هنا، لم تعد الترجمة ناقلة لمصطلحات النصّ فقط، بل تصبح منتجة لإطار فهم جديد، يوجّه القارئ إلى قراءة التحذير، بوصفه انعكاسا لسلوك سابق، لا بوصفه قرارا قائما بذاته داخل منطق حزب اللّٰه. أظهرت النماذج التي جرى تحليلها في هذه الصفحات، أنّ انتقال الخبر من العربية إلى الفارسية والإنجليزية لا يتمّ بشكل آلي، بل يمرّ بعملية تغيير واضحة، يمكن رصدها في كلّ مستوى من مستويات النصّ. عند جمع هذه النماذج في خطّ واحد، يمكن القول إنّ ترجمة النصّ العربي توضّح بشكل عملي أنّ الترجمة لا تحافظ على الحياد، بل تعيد صياغة الرسالة، بما يتوافق مع طبيعة الإعلام الذي تنتمي إليه. الخاتمة مما سبق، يمكن استنتاج ما يلي: يتّضح من خلال هذه الورقة البحثية المتواضعة، أنّ الترجمة الإخبارية ليست عبورا بسيطا من لغة إلى أخرى، بل هي عبور من رؤية إلى رؤية، ومن خلفية فكرية إلى أخرى. فالنص، حين يخرج من بيئته الأصلية، لا يفقد مفرداته فقط، بل يخلع جزءاً من أيديولوجيته، أو يكتسب أيديولوجيا جديدة، تفرضها اللغة التي تستقبله. لقد كشف التحليل أنّ الأيديولوجيا لا تسكن الكلمات فحسب، بل تتحرّك داخل الجملة، في ترتيب الفعل والفاعل، في طريقة تسمية العدوّ والحليف، وفي اختيار ما يقال وما يُترك بين السطور. عندما ينتقل النصّ الإعلامي إلى الفارسية أو الإنجليزية، تنكشف مسارات مختلفة للمعنى. فالترجمة تحتفظ بحرارة الأصل وتكثّفها، أو تعدّل النبرة، لتنسجم مع رؤيتها السياسية، وثانية تُعيد هندسة الحدث، ليبدو أقرب إلى خطابها السائد. وبين هذا وذاك، تُصبح الترجمة فعلا، يعيد تشكيل العالم، لا مجرّد أداة، تنقل أخباره. وبذلك، تبيّن أنّ الفروق بين الترجمات ليست مسألة أسلوبية، بل هي انعكاس مباشر للبنية الثقافية والسياسية التي تصنع الخبر. فحين تُترجم "المجزرة"، أو "العدوّ"، أو "التحرير"، لا تنتقل معها الدلالة نفسها، بل تعاد ولادتها ضمن سياق جديد، يُحدّد مدى حدّة الكلمة أو خفوتها، وقوّة حضورها أو تراجعها. وهذا يعني أنّ الترجمة ليست تابعةً للأصل، بل نصّاً مستقلاً يصنع معناه الخاص. في الترجمة الغربية، يلاحظ انتقال الخبر إلى لغة، تحتفظ بالمعلومات الأساسية؛ لكنها تخفّف من حدّة التعبير. يتجلّى ذلك في تعديل بعض المفردات، مثل: استبدال "Israeli" بـ"الصهيوني"، وفي تقديم الجملة بترتيب، ينسجم مع الأسلوب الإخباري الغربي. وهذا لا يعني تغيير الرواية؛ لكنه يعني إعادة سرد النص بطريقة أقلّ شحنة وأقرب إلى الخبر السياسي التقليدي. يدلّ تحليل النماذج المختارة علی أنّ الترجمة الفارسية تحافظ على مضمون النصّ العربي، وتزيد من قوّته التعبيرية في بعض المواضع، خاصّة عند الحديث عن العدوّ أو التضحية. وتُلاحظ إضافات خفيفة في النبرة.
[1]. Norman Fairclough [2]. Lawrence Venuti [3]. Lefevere [4]. Mona Baker [5]. Translation and Conflict: A Narrative Account [6]. Munday [7]. Lefevere [8]. Hall [9]. Reboul [10]. Discourse [11]. Macro-Structure | ||
| مراجع | ||
|
أ. العربية ألتوسير، لوي بيير. (1979م). المواقف. باريس: العلوم الاجتماعية. البشر، محمد بن سعود. (2008م). أیدیولوجیا الإعلام. الرياض: دار غيناء للنشر. بوخلافة، مسعود؛ ومحبوبة بكوش. (2019م). «تأثير الأيديولوجيا في ترجمة عناوين الأخبار الصحفية السياسية». مجلة معالم. ع 12. ج 9. ص 151 ـ 164. بيكر، منی. (2018م). الترجمة والصراع: حكاية سردية. ترجمة طارق النعمان. القاهرة: المركز القومي للترجمة. تودوروف، تزفتان. (1993م). اللغة والأدب في الخطاب الأدبي. ترجمة سعيد الغانمي. بيروت: المركز الثقافي. ريبول، أوليفيي. (1996م). اللغة والأيديولوجيا. باريس: PUF. عبيدي، منية. (2016م). التحليل النقدي للخطاب: نماذج من الخطاب الإعلامي. عمان: دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع. فيركلف، نورمان. (2016م). اللغة والسلطة. ترجمة محمد عناني. القاهرة: المركز القومي للترجمة. هول، ستيوارت. (1986م). «مشكلة الأيديولوجيا: الماركسية بلا ضمانات». مجلة الاستقصاء الإعلامي. ع 2. ص 28 ـ 44. ب. الفارسية آقاگل زاده، فردوس. (1392ھ.ش). فرهنگ توصیفی: تحلیل گفتمان و كاربردشناسی. تهران: علمی. بخشنده، احسان. (1387ھ.ش). زبان و رسانه: نقش ايدئولوژی در ترجمه متون خبری بررسی چگونگی ايدئولوژيكسازی رسانههای تحت تأثير گفتمان غالب. پاياننامه کارشناسی ارشد. دانشکده علوم اجتماعی. دانشگاه علامه طباطبائی. پالامبو، گيزپه. (1390ھ.ش). اصطلاحات كليدى در ترجمه. ترجمه فرزانه فرحزاد و عبداللّٰه كريمزاده. تهران: قطره. خانجان، عليرضا. (1391ھ.ش). ايدئولوژی در ترجمه متون خبرى: رويكرد تحليل انتقادى گفتمان. پاياننامه دكترى. دانشکده زبانهای خارجی. دانشگاه اصفهان. لطفىپور ساعدى، كاظم. (1371ھ.ش). درآمدى به اصول و روش ترجمه. تهران: مركز نشر دانشگاهى. ماندى، جرمى. (1397ھ.ش). معرفی مطالعات ترجمه: نظريهها و كاربردها. ترجمه على بهرامى و زينب تاجيك. تهران: رهنما. ميرحسينى، عشرت. (1402ھ.ش). «تأثير ايدئولوژى در ترجمه: بررسى برگردان فارسى خبرى از واشنگتن تايمز». مطالعات زبان و ترجمه. د 56. ش 1. ص 195 ـ 218. وردىنژاد، فريدون؛ و شهلا بهرامى رشتيانى. (1388ھ.ش). جامعهشناسی خبر. تهران: ثانيه. يارمحمدى، لطفاللّٰه. (1393ھ.ش). ارتباطات از منظر گفتمانشناسی انتقادی. تهران: هرمس. ــــــــــــــــــــــ. (1391ھ.ش). درآمدی به گفتمانشناسی. تهران: هرمس. ج. المواقع الإلكترونية بيانات حزب اللّٰه والإعلام الرسمي. https://www.mediarelations-lb.org تسنيم https://www.tasnimnews.com/fa/service/11/middle-east فارس CNN https://www.edition.cnn.com/middle-east BBC https://www.bbc.com/news/world/middle_east NNA
| ||
|
آمار تعداد مشاهده مقاله: 5 تعداد دریافت فایل اصل مقاله: 4 |
||