| تعداد نشریات | 44 |
| تعداد شمارهها | 1,877 |
| تعداد مقالات | 15,278 |
| تعداد مشاهده مقاله | 43,731,463 |
| تعداد دریافت فایل اصل مقاله | 17,563,679 |
مفهوم الوطن وتجليات الوطنية والوحدة عند سحر خليفة من خلال ثنائيتها: الصبّار وعبّاد الشمس | ||
| بحوث في اللغة العربية | ||
| مقاله 6، دوره 3، شماره 4، تیر 2011، صفحه 65-80 اصل مقاله (780 K) | ||
| نوع مقاله: المقالة البحثیة | ||
| نویسندگان | ||
| محمدصالح شريف عسکري* 1؛ زهره باقرپور وَلاشاني2 | ||
| 1استاديار گروه زبان و ادبيات عربي، دانشگاه تربيت معلم ـ تهران. | ||
| 2دانشجوي کارشناسي ارشد رشتة زبان و ادبيات عربي، دانشگاه تربيت مدرس ـ تهران. | ||
| چکیده | ||
| من وظائف الأدب القصصي الحديث، تجسيد حقائق الحياة الانسانية بآمالها وآلامها. فهو خير وسيلة لتصوير ما يجري في المجتمعات البشرية؛ خاصة إذا کانت الحياة في حالة الحرب والمجتمع تحت نير الاحتلال، فتضاعف أهمية دور هذا الأدب في الاهتمام بقضايا الشعب و مواقفه إزاء الأحداث. ثنائية سحر خليفة الصبّار وعبّاد الشمس ترسم حياة العرب الفلسطينيين في الضفة الغربية بعد خمس سنوات من هزيمة حزيران 1967م. ومن أهم المواضيع التي تُلفت النظر في ثنايا الأحداث المرويّة في هاتين الروايتين يمکن الإشارة إلى أهم متطلبات الشعب الفلسطيني، وهي: الوطنية ،والوحدة والأمل إلى مستقبل الوطن في ظلها. تکشف الرواية عن مفهوم الوطن عند سحر خليفة الذي يتّخذ أبعاداً مختلفة؛ من أهمها: الأرض،الإنسان الفلسطيني، ذکريات الطفولة، والثقافة. وتصوّر تمسّک الشعب الفلسطيني المقاوم بأرضه و وطنه من خلال ذلک، ضمن تبيين ملامحه بين فئات واسعة من الشعب: من الأطفال والشباب والرجال والنساء. وتوضّح أنّ هذا الحس الوطنيّ المشترک بين الشخصيات المختلفة من البسيطة والمثقفة والنوعية وغير ذلک، يقود الشعب کلّه إلى الوحدة أمام العدو الغاصب، مع أنهم يعانون من الخلافات الداخلية فيما بينهم؛ لأنَ الوحدة ــ في رأي الکاتبة ــ هي الحلّ الوحيد للخلاص من جميع المشاکل التي أنتجها الاحتلال. هذا، إلى جانب الأمل إلى المستقبل وترک اليأس والحزن والإحباط، ثمّ استنهاض الحس الوطنيّ الذابل، والتضحية لأجل الوطن باعتبارها عوامل هامّة ومؤثرة في تحرير الوطن في رأي الکاتبة. | ||
| کلیدواژهها | ||
| الوطن؛ الوطنیة؛ الوحدة؛ الصبّار؛ عبّاد الشمس؛ سحر خلیفة | ||
| اصل مقاله | ||
|
المقدمة یشکّل الهمّ الوطنی والقومی أحد الموضوعات الرئیسیة التی تحتوی علیها غالبیة الروایات الفلسطینیة، ومنها ثنائیة سحر خلیفة؛ إذ تدخل فیهما الکاتبة فی صلب حیاة الناس الفکریة والاقتصادیة والسیاسیة. فمن الطبیعی أن تظهر الهمّ الوطنی والقومی کأبرز أعقاب هذه القضیة الوطنیة. وهذا ما یؤیده محمد معتصم عن روایات سحر خلیفة حیث یقول: تصوغ الکاتبة أعمالها ضمن قضیة جوهریة وکلّیّة مهیمنة؛ إنها القضیة الفلسطینیة کإطار وکهدف. فالشخصیات الروائیة والأحداث والأمکنة متصلة بفضاءات متخیّلة عن فلسطین کقضیة سیاسیة واجتماعیة وعسکریة وفکریة وإبداعیة، تعلن الکاتبة من خلالها التزامها بقضیتها الأم؛ قضیة التحریر والخروج من حالة الاستعمار/الاستیطان، وإعادة الأمور إلى نصابها (معتصم، 1991م، ص 5). تأتی هذه الدراسة کمحاولة للوقوف على مفهوم «الوطن» لدى سحر خلیفة، والإجابة عن سؤال رئیسی فی هذا المجال وهو: أ ینحصر مفهوم الوطن لدى الکاتبة فی إطار المکان فحسب، أم إنها تذهب بهذا المصطلح إلى أبعد من مفهوم المکان؟ تحاول هذه الدراسة ــ ضمن منهج تحلیلی ــ کشفَ الوطنیة وتجلیاتها بین فئات مختلفة من الشعب، مشیرة إلى شخصیات سحر الروائیة التی تجسّد ذلک الحس الوطنی العریق. وکذلک تلقی الضوء على تضامن الشعب الفلسطینی وتوحّده فی وجه العدوّ الغاصب، مع الإلمام بالدور الهامّ الذی یؤدیه الاحتلال فی تحویل القلوب المتفرّقة مجتمعة ولمّ شتاتها، کما تسعى وراء کشف الوحدة الموجودة فی الشعب الفلسطینی بأکمله من الأطفال والفتیات إلى النساء والرجال والسجناء فی وجه جبروت الاحتلال. فالبحث یهدف إلى ما یلی من الموضوعات: ــ إبانة صورة الوطن ومعانیه فی ثنائیة سحر خلیفة؛ ــ البحث عن رؤیة الکاتبة عن الوحدة وتبیین تجلیاتها فی الثنائیة؛ ــ تبیین أهم العوامل المؤثرة فی تحریر الوطن المحتلّ عند الکاتبة؛ ــ تقویم رؤیة الکاتبة نحو مستقبل الوطن ضمن اعتقادها بالوحدة و التلاحم.
خلفیة الدراسة هناک دراسة تحمل عنوان المرأة فی الروایة الفلسطینیة (1965ــ1985م)(1998م) للباحث حسان رشاد الشامی التی بنیت على ثمانی عشرة روایة لثمانیة من الروائیین الفلسطینین، منهم سحرخلیفة. فیعالج الکاتب فیها صورة المرأة فی علاقتها بالأسرة والمجتمع والوطن، ویأتی ضمنها ببعض النماذج المختلفة من المرأة من حیث کیفیة تعاملها فی هذه العلاقات؛ کما یعالج الشخصیات النسائیة معالجة فنیة. فنرى الکاتب یشیر إلى روایات سحر خلیفة ضمن دراسة الشخصیات النسائیة فی الروایات الفلسطینیة، ویعالج موضوع الوطن ضمن دراسة علاقة المرأة الفلسطینیة بالوطن، ولکن روایات الأدیبة خلیفة وخاصّة هذه الثنائیة تتطلّب مزیداً من التعمق والتروّی، مما یمکن أن ینال فی بحث مستقل تختص بها. وکذلک مقالة تحمل عنوان: «مفهوم الوطن ومظاهره فی الأدب العربی» بقلم صادق مکی. فیبحث الباحث فی هذه المقالة عن مفهوم «الوطن» فى المصادر و المراجع القدیمة بدءً بالقرآن، ثم المعاجم اللغویة القدیمة، وبالتالی یعالج هذا المفهوم فی شعر الشعراء الجاهلیین، مستشهداً بنماذج شعریة مختلفة دالة على ذلک. وفی مجال الأدب القصصی ثمة دراسة تعنون بـ: مفهوم الوطن فی الروایة العبریة المعاصرة: دراسة فی روایة "حمامة وصبی" للأدیب الإسرائیلی مئیر شالیف، للعمر عبدالعلی علام أستاذ اللغة والأدب العبری المعاصر المساعد بجامعة المنوفیة، حیث یتعرض الباحث فی هذه الدراسة لمفهوم الوطن لغویاً، ویستنتج بأن هذه الکلمة لا تحمل مدلولاً اصطلاحیاً یحمل قیمة تزید عن معناها اللغوی، مشیراً بأنّ هذا المفهوم لایدل على الاصطلاحی الذی یُراد أن یدل علیه لفظ المواطنة. ومن جرّاء تحلیله لروایة حمامة وصبى یثبت هذه النظریة، ویستنتج بأن محاولات اختلاق الصهیونیة لإسرائیل القدیمة أمر لا یمکن أن یستقیم مع مفهوم الوطن بمعناه المادی والحسی، وأن محاولات اختلاق الماضی بإقامة الوطن على الذکریات والأساطیر هو أمر لا یمکن قبوله بمفاهیم الوطن الحقیقیة.
التعریف بالکاتبة و مکانتها الأدبیة سحر خلیفة واحدة من أهم الروائیین الفلسطینیین. ولدت فی نابلس عام 1941م، و أصبحت معروفة فی مدینتها بسبب موقفها من موضوع تحریر المرأة. تزوّجت فی سن مبکرة زواجاً تقلیدیاً، و بعد مرور ثلاثة عشر عاماً من الإحباط و خیبة الأمل قررت أن تتحرر من هذا الزواج، و تکرّس حیاتها للکتابة. وعادت لتواصل دراستها الجامعیة، فحصلت على شهادة الدکتوراه من جامعة أیوا، فی موضوعی دراسات المرأة، والأدب الأمریکی (الجیّوسی، 1997م، ص 229). وعلى صعید الکتابة حققت الکثیر من الإنجازات الأدبیة بروایاتها التی توالت و تدرجت بشکل لافت و مهمٍّ فی مشهد السرد لیس الفلسطینی و لا العربی فحسب، بل العالمی أیضاً. فقد تمکنت من الوصول إلى أرقى دور النشر الأوروبیة، و روایاتها مترجمة إلى أکثر من ثلاث عشرة لغة، و تجرى علیها العدید من البحوث، لیس فقط على المستوى النقدی الأدبی، بل أیضاً تُدرّس فی مجال التاریخ و علم الاجتماع. و قد نالت الکثیر من الجوائز و التکریمات العالمیة کجائزة «ألبرتو مورافیا» الإیطالیة، و جائزة «ثرفانتس» الإسبانیة، و جائزة «نجیب محفوظ للروایة» لعام 2006م عن روایتها: صورة و أیقونة و عهد قدیم. و تعتبر هذه الجائزة أولى جائزة عربیة تحصل علیها، و جائزة «سیمون دبوفوار» الفرنسیة لعام 2009م و التی رفضت تقاسمها مع الکاتبة الإسرائیلیة تسفیا جرین فیلد، معتبرة أن القبول بنصف الجائزة یعنی نصف اعتراف. و أخیراً نالت الجائزة العالمیة للروایة العربیة (البوکر العربیة) لسنة 2010م بسبب روایتها: أصل و فصل (لحرش، د. ت، ص 1؛ وجابر، د. ت، ص 1). کتبت خلیفة حتى الآن تسع روایات: روایتها الأولى لم نعد جواری لکم (1974م) أحدثت صدى کبیراً بسبب دفاعها عن حریة المرأة، غیر أن سحر لم تحظ بالاعتراف الأدبی إلا بعد صدور روایتها الثانیة الصبار (1976م). ثم أصدرت عبّاد الشمس (1980م)، ومذکرات امرأة غیر واقعیة (1986م)، بابالساحة (1990م)، والمیراث (1977م)، وصورة و أیقونة و عهد قدیم (2002م)، ثم أصدرت ربیع حار (2005م)، و أخیراً أصل و فصل (2009م) (کریم، د. ت، ص 1). للکاتبة مکانة مرموقة بین الروائیات الشهیرات اللاتی یهتممن بالأدب النسائی و قضیة المرأة، و هی حقیقة تتردد کثیراً بین أقوال الکتاب و الدارسین و الناقدین. تقول بثینة شعبان ــ کاتبة سوریة وباحثة الروایة النسویة العربیة ــ: کما أن زینب فواز [کاتبة لبنانیة (1860 ــ1914م)] هی التی کتبت أول روایة عربیة [تحمل عنوان حسن العواقب أو غادة الزاهرة] فی نهایة القرن الماضی، فإن سحرخلیفة هی الروائیة العربیة الأولى فی النصف الثانی من القرن العشرین التی أسست لروایة نسائیة تحرّریة سیاسیة و متقنة فنّاً و موضوعاً» (1999م، ص 215). أما باحث آخر، فیشیر إلى مکانة سحر خلیفة الأدبیة قائلاً:
تعد الروائیة سحر خلیفة من أهم الروائیات العرب و الفلسطینیات. و إلى جانب إبداعاتها الروائیة عُرفت بمواقفها فی الدفاع عن حریة المرأة؛ سواء کان ذلک على صعید مدینتها نابلس، أم من خلال ترکیزها على الجانب النسوی فی کل مؤلفاتها. و مما یعلو بمکانتها هو انتماؤها إلى جیل معروف من الروائیین الفلسطینیین أمثال: غسّان کنفانی، و یحیى یخلف، و رشاد أبوشاور الذین کتبوا أعمالهم الروائیة بأسلوب واقعی و تسجیلی بعیداً عن الرومانسیة، و أبرزوا القضیة الفلسطینیة فی إبداعاتهم، وأظهروا أیضاً دور الثورة الفلسطینیة فی تغییر الواقع الفاسد الذی یحاول الاحتلال تکریسه فی فلسطین، و فی الوطن العربی عموماً (أبوبشیر، 2007م، ص 269). ومن اللافت للنظر أن غالبیة روایات خلیفة ترجمت إلى أکثر اللغات العالمیة، و لکن من الملحوظ عن أعمالها الأدبیة هی ترجمة أعمالها الروائیة إلى الألمانیة، واهتمام الدارسین الألمان إلى هذه الروائیة وکتاباتها من بین کثیر من الکتّاب المعروفین کجبرا إبراهیم جبرا و سمیح القاسم، و لهما معرفة بارزة تفوق بکثیر معرفة سحرخلیفة (الأسطة، د. ت، ص 4). فتعدّ روایات خلیفة جدیرة بالدراسة والترجمة لما تحمله من مضامین إنسانیة و حضاریة و عالمیة مثل المقاومة والاحتلال و تحریر المرأة و غیر ذلک من الموضوعات، و القضایا التی تهم شعوبَ العالم. فلیس من العجیب إذ تأتی إبداعاتها فی المرتبة الثالثة من حیث الترجمة بعد نجیب محفوظ و غسان کنفانی (أبو بشیر، 2007م، ص 272).
التعریف بثنائیة سحر خلیفة یراد بالثنائیة، الروایتین؛ الصبّاروعبّادالشمس. فإن روایة الصبّار تدور حول حیاة عدة عوائل فی الأراضی المحتلّة: عائلة الکرمی التی تشتمل على أبیعادل و زوجته و ابنیهما؛ عادل و باسل و ابنتهما نوّار؛ وعائلة أسامة (ابن أخت أبی عادل)؛ و أبی صابر و زوجته عیشة؛ و زهدی و زوجته سعدیة؛ وما یحدث بینهم من الأحداث و الصلات. تقدّم الکاتبة هذه العوائل وحیاتها ممثلّة للشعب الفلسطینی الذی یعیش تحت نیر الاحتلال الاسرائیلی فی الضفة الغربیة و قطاع غزة منذ حزیران 1967م، وتکشف عن مختلف جوانب حیاتهم الفردیة والاجتماعیة مما یسیطر علیها فی ظل الاحتلال من الفقر الناتج عن استغلال مؤسسات الصهیونیة، و هکذا من الیأس و الخیبة و عدم تمتع المجتمع الفلسطینی بأبسط حقوقه الإنسانیة. قد یشتغل عدد من رجال القصه (عادل، أبی صابر، و زهدی) فی معامل الصهیونیة و فی ظروف قاسیة؛ فهم یعملون بجانب العمّال الیهودیین دون أن یکون لهم حقوق متساویة، و دون أن یتمتعوا بأقل الحقوق النقابیة. فلا بدّ لهم أن یکتفوا بلقمة عیش و یحتملوا مشاق العمل و لو کان بالغة الصعوبة. و هذه الظروف قد تؤدی إلى رفض بعضهم للتمییز الموجود، ومنازعة العمال الصهاینة، و احتمال السجن و التعذیب و الاعتقال، لکن المنازعة لأجل العمل قد تتبدل إلى الکفاح لأجل تحریر الأرض و الوطن، لما یصل إلیه بعضٌ (أسامة) من التنبه، معتقداً أن رأس المشاکل الموجودة فی الأرض المحتلة هو الاحتلال و الاستسلام للظلم. ففی عبّاد الشمس و هی الجزء الثانی من الصبّار، یعمّ هذا الانتباه إلى الآخرین حتى الشخصیات النسائیة کـلینة و سعدیة و رفیف، فیلتحقن إلى میدان الکفاح والنضال أمام العدوّ الغاصب، و قبل ذلک أمام قیود المجتمع و وصایة الرجل. و فی المقابل یعتقد أکثر الشخصیات النسائیة أنهن قد وقعن أمام احتلالین: احتلال التقالید و العادات المتوارثة السلبیة، و احتلال العدو الغاصب، فلابدّ لهن من کفاحین: تحدّی قیود المجتمع کالجهل والخرافة والشعوذة والدعاء والنظرة الدونیة إلى المرأة، و کفاح للتحرر من نیر الاحتلال الصهیونی؛ کما أنّ منهنّ من یلححن على البقاء فی الجهل و الاستسلام تجاه الظروف الموجودة. مفهوم الوطن والوطنیة الوطن بمعنى«المنزل، تُقیم به، وهو موطن الإنسان ومحله،... وأوطَنه: اتّخذه وطناً؛ والجمع: أوطان. وأوطان الغنم والبقر: مرابضها وأماکنها التی تأوی إلیها» (إبن منظور، مادة «وطن»).وکلمة «مَواطن» قد وردت فى قوله تعالى: «لَقَدْ نَصَرَکُمُ اللهُ فی مَواطِنَ کَثیرَةًª (التوبة 9:5). وهذا المفهوم على حد قول یحیى الجبوری (2008م) کان ضیقاً فی القدیم یشمل الحیّ ومحل الإقامة، ثم صار یتسع کلّما تقدّم الزمن (ص 9 و 10). یقدّم محمد عبده تعریفاً للوطن فی اللغة وعند أهل السیاسة؛ فیقول: «الوطن فی اللغة محل الإنسان مطلقاً. فهو والسکن بمعنى. واستوطن القومُ هذه الأرضَ وتوطّنوها؛ أی: اتخذوها سکناً. وهو عند أهل السیاسة مکانک الذی تنسب إلیه، ویُحفظ حقُّک فیه ویُعلم حقُّه علیک، وتأمن فیه على نفسک وآلک ومالک» (محمدحسین، 1984م، ص 70). أما الانتماء الوطنی فیعد من المفاهیم العالمیة المهمة فی عالمنا المعاصر التی تتجلى فی محبة الفرد لوطنه، والاعتزاز بالانضمام إلیه، والتضحیة من أجله. لقد ارتبط الإنسان منذ وجوده بشیئین هما: المکان والزمان. فالإنسان مرتبط بالمکان من حیث وجود ذاته، وإذا کان المکان یدل على وجود الإنسان فی جزء معین منه، فإن الزمن هو الذی یحدد مدى هذا الوجود وکمّیّته؛ ولذلک فالمکان هو الوطن، والانتماء المکانی هو الانتماء الوطنی (آل مبارک، د. ت، ص 1). یتمیز مفهوم الهویة الوطنیة عن غیره من مفاهیم الانتماء فی أنه «حالة سیاسیة وإرادیة خالصة تتسم بطبیعتها الجماعیة حصراً، وتقوم على الاتفاق وعن وعی تامّ بین سکان إقلیم معین على العیش معاً فی مجتمع سیاسی یتمتع بالسیادة الکاملة» (محیسن، د. ت، ص 2).
الوطن عند سحر خلیفة یتخذ مفهوم الوطن عند سحر خلیفة أبعاداً مختلفة؛ من أهمها: الأرض، والإنسان الفلسطینی، وذکریات الطفولة والثقافة. فنعالج هذه المفاهیم فیما یلی: ــ الوطن/الأرض الوطن فی مفهومه العام ــ أی: الأرض والمکان الذی یلتصق به الإنسان ــ یتجلّى فی بدایة روایة الصبّار، ومن خلال تصرّفات بطلها[1] أسامة الکرمی «الشاب المثقف العائد إلى وطنه فلسطین بعد غیاب خمس سنوات من اغترابه بمهمّة کان تنظیمه السیاسی المقیم خارج الأرض المحتلة قدکلّفه بها» (الصالح، 2004م، ص 84)؛ إذ تفصح الروایة عن وطنیة أسامة وعلاقته بالأرض وبوطنه عامة من الصفحات الأولى؛ أی: مع وصول أسامة إلى مدینة نابلس، حیث یحاول أحد جنود الصهاینة ــ ضمن عملیة التحقیق ــ تغییر اسم نابلس العربی إلى آخر عبری، ولکن أسامة یتصدّى لهذه المحاولة، ویثبت فی الحوار اسمها العربی؛ إذ یستجوب المحقق الإسرائیلی أسامة عن سبب مجیئه إلیها سائلاً: ــ ولماذا انتقلت أمّک إلى شخیم؟ ــ تعجبها نابلس. ــ ولماذا تعجبها شخیم؟ ــ نابلس تعجبها لأنها ملیئة بالأقارب ــ ولماذا عدت من دول البترول إلى شخیم؟ ــ عدت إلى نابلس لأن الوالد مات... (خلیفة، 1999م، ص 14). یؤمن أسامة بأرضه و وطنه، وهذا الإیمان الراسخ یجعله أن یصرخ وطنیّته حیث تقتضی الظروف؛ فیثبت على موقفه، ویلحّ على انتمائه إلى وطنه فلسطین فی مواجهة الجندی الإسرائیلی حینما یبحث عن سبب طرده عن الوطن ویقول: «لأننی فلسطینی... فلسطییـنییـی.» (خلیفة، 1999م، ص 16). ونراه فی مقطع آخر من الصبّار یستغرق فی هذا الحس الوطنیّ الخالص، ویبکی على البلد و لما فرض له الاحتلال من الویلات والمصائب. فتخاطبه أمه متعجبة حین ترى بکاءه على الوطن: «ــ أنت تبکی؟! مات أبوک ولم تبک، وبکیت أمام الناس؟ ماذا یقول الناس؟ ــ بکیت على الناس یا أمی. بکیت على البلد...» (المصدر نفسه، ص 29). مما تقدّم، یمکننا القول بإنّ أسامة إنسان وطنی مخلص، یرجّح هموم الناس على همومه، بل معاناته معاناة الناس وأبناءه؛ إذن لیس من العجیب إذ نراه یبدی قلقه لمستقبل البلد والناس فی مواضع مختلفة من الثنائیة، خاصّة إذ یرى أوضاع البلد والناس والشباب الذین اضمحلّوا بعد الاحتلال. فیبکی بصمت عند ابن خاله باذلاً قصارى جهوده لاستنهاض الحس الوطنی الذابل فیه وینذره بقوله: ماذا حدث للبلد؟ ماذا حدث للناس؟ ماذا حدث لکم؟ لقد تغیرتم. حتى الصبیة یدخنون فی الشوارع، ودعایات الأفلام الفاضحة تلطّخ الشوارع، والناس یلتهمون الکنّافة ویبتسمون.ـ وأنت أیضا تبتسم.ـ ماذا حدث لکم؟ مادا حدث للبلد؟ أبطَروکم؛ استوعبوکم ولا أرى فی عیونکم ومضة خجل... تغیّرتم. کل شیء تغیّر، والقذارة تملأ شوارعکم... المهم أنکم تغیرتم. احتلالٌ هذا أم انحلال؟ (المصدر نفسه، ص 27). وفی اللوحة الأخرى من لوحات الصبّار یحدث نقاش بین أسامة وبین عادل حول الوطن والناس والثورة. فنرى أسامة یقف فی وجه عادل، ویحذّره بسبب نسیانه للبلد والناس وقضیة الاحتلال، ویتّهمه والناس بالتخلف عن الرکب الثورویّ، فی حین یرفض آراء عادل عن الوطن والناس والصمود مذکّراً بأنّ الثورة لن تأتی من الخارج، وأنهم ــ أنفسهم ــ هم المسؤولون عن الصمود أولاً وأخیراً. وحینما یردّه عادل بأنّ الثورة لن تتحقق مع الجوع، یطرح نظریة معروفة تدلّ على أنّ الجوع یفجّر الثورة (المصدر نفسه، ص 83 ــ84). فهو یرفض نظریات أمثال عادل الذین یرجّحون الرفاهیة فی ظل الاحتلال، وأمثال شحادة الذین یرجّحون الهجرة عن الوطن بدل البقاء والصمود، بل یعیب علیهم وعلى تعریفهم للوطنیة والقومیة (المصدر نفسه ، ص 75). وبعد محاولاته الدؤوبة للدعوة إلى الوطنیة والتشبّث بالأرض، یدفعه إیمانه هذا بالأرض وبقدرة شعبه على التطهر من الذوَبان فی الیومی والطارئ إلى قتل أحد الضبّاط الصهاینة، ثمّ یفر ویلجأ إلى إحدى القرى المجاورة، فیجد نفسه فی أحضان أرضه، وهو یعبّر لها عن اشتیاقه وفرحه العارم بلقائها، وهو یناجی: وقد عدت لهذی الصخرة؛ لهذی الحفرة؛ فلتهزّ الأرض لوقع قدمیّ إذا مشیت (الصالح، 2004، ص 85). لا ینحصر الانتماء إلى الأرض والجذور العربیة فی المناضلین أمثال أسامة فحسب، بل نسمع إیقاعه بین سائر فئات الشعب؛ منهم: أبوالرعد الفلّاح، و أبوالفوارس المدرّس. فأبوالرعد ممثّل الفلاحین القرویین الذین یحملون شحنة وطنیة هائلة. فهم الذین یطالبون أسامة بإعادة قصة قتله للضابط الإسرائیلی بعد اللجوء الى المزرعة والفلاحین، ویشجّعونه لعملیته البطولیة لکی ینسو أحقاد صدورهم وجراح قلوبهم. فحینئذٍ یدعو أبوالرعد الفلاحین لاسترجاع أرضهم، وهو یهدر کرعد هدّار حینما یقول: «... هذه الأرض لکم. استرجعوا بقرار من هیئة الأمم. استرجعوا بأبیات الشعر وأغانی العودة، وصلّوا لله ملیون رکعة بدون مبرر. فلن ینصر الله إلّا الید المشدودة على الزناد» (خلیفة، 1999م، ص 150). وأبوالفوارس، هو المدرس الفلاح الذی ذاق مرارة التشرید والسجن والمؤامرة تحت الاحتلال، ودخل السجن أکثر من مرة طوال حیاته. هذا ما یبدو جلیّاً من خلال حواره مع باسل (أخو عادل الکرمی) بعد خروجه من السجن وعوده إلى المزرعة والفلاحین. فنراه یحکی حیاته المؤلمة لباسل، وما مرّ به من ویلات لأجل الوطن المحتل. ویشیر بجرمه ــ أی: الوطنیة والإیمان ــ بروح الشعب صارخاً: ...أترى هذا الرأس؟ شابَ لکثرة ما رأى. وکم رأینا! حروب ومذابح ومؤامرات وتشرید. وحملنا السلاح وحملنا المبادئ، وحملنا قلوبنا على کفوفنا، وقلنا یا أرض اهتزّی، فاهتزّت، وعن عزم الهزّات تشقّقت، و وقعنا فی الحفرة تلو الحفرة... ما هو ذنبی؟ ما هی جریمتی؟ ألِأننی آمنت بروح الشعب؟... ألِأننی آمنت بتوجیه الأبناء؟ (خلیفة، 2008م، ص 339).
ــ الوطن/الإنسان بما أنّ أهل البلد هم الذین یصنعون الأجواء المختلفة بکل أفراحهم وأحزانهم، جهلهم وذکائهم، فیمکن أن نعدّهم جذراً آخر من جذور الوطنیة إلى جانب الأرض. هذا بالعنایة إلى أنّ هذا العنصر لا یمکن تجریده عن العنصر السابق، لما بینهما کثیر من التداخل والتماسک، ولکن قد یتجلّى مفهوم الوطن من خلال أهل البلد الذین یسکنون فی أنحائه. وهذا المفهوم من مفاهیم الوطن هو الذی تحاول الکاتبة رصده من خلال التعمق فی الحیاة الاجتماعیة والاقتصادیة، وترسیم آلام الناس وخاصّة الأطفال الأبریاء منهم. هذا العنصر ینعکس بوضوح فی الصبّار فی المشهد الذی یدخل أسامة بیت أبی صابر، وهو یبحث عن عادل. فیواجه صورة مؤلمة لحیاة الأطفال؛ إذ یرى طفلة فی الرابعة بجوار سطل الزبالة، وهی تلعب على الأرض بخرقة قذرة لا لون لها، وعلى وجهه ماء قذر. فیهتزّ قلبه بجزع ویتساءل: «أهذه نظرة طفلة؟ لماذا یفقد الأطفال براءَتهم؟! لماذا تعادینی؟ لَکأنّها تعرف...!» (خلیفة، 1999م، ص70). ویتکرّر هذا التساؤل فی ذهنه من خلال المونولوج الداخلی[2] الذی یحتوی أفکاره وأحاسیسه عن أقوال شحادة وأبی صابر ما مرّ به فی بیته. (المصدر نفسه، ص 76). وکذلک مثیل هذه الأفکار تدور فی رأس زهدی، حیث یتحرر من السجن ویرجع إلى حضن الأهل والأولاد. فحینما یرى أنّ الفقر سلب من الزوجة أساورها الثمینة، ومن الابن أحلامه الطفولیة، یفکر فی نفسه: «لماذا ینهمر الأطفال علینا کالمطر، فیعمون قلوبنا، ولایفعلون الشیء ذاته بقلوب الأغنیاء؟» (المصدر نفسه، ص 148). فالطفل الفلسطینی وحیاته الحزینة خیر مرآة للشعب الذی یداعب أحلامه تحت وطأة الاحتلال؛ إذ هو یعیش طفولة بائسة، وهو محروم من أبسط مقومات الحیاة. کثیراً ما یرى الفاکهة یتمناها، لکن والدته لاتستطیع شراءها؛ لأنّ الأسعار نار الله الموقدة. فتشتعل فتیل الغضب المتوحش فی قلب الأم حین ترى الضابط الإسرائیلی یشتری لابنته الشقراء کل ما تشتهی. فتلفظ باللعن والدعاء على العدوّ الغاصب وزوجه وابنته: «یا ریتها سمّ الهاری على قلبک وقلبها وقلبها! أولادی یشتهون الأسکدنیا، وأنتم تبرطعون کالوحوش السایبة؟! یا ریتها فانیة أمة محمد اللی خلّت الأنذال یسرحوا ویمرحوا ببلدنا وحاراتنا! سبعین عین تطرقکم یا عدوین... البلد بلدکم والخیر خیرکم...» (خلیفة، 1999م، ص132). عنایة إلى أن الطفل الفلسطینی یعیش ظروفاً بالغة الصعوبة تذیقه مرارة الخوف والحرمان والیأس، یمکننا القول بأنّه رمزٌ[3] للشعب الذی ترزح آماله وأبسط حقوقه الإنسانیة تحت وطأة الاحتلال، ویوافقنا سلیمان حسین (1997م) فی هذا القول حیث یعدّ الأرض فی معنى الدّار والبیت وروح الطفولة ترمیز نفسی (ص60). قد یتخلص مفهوم الوطن فی أهل الأرض وساکنیه بأکملهم؛ إذ هم الذین یعیشون فی أنحائه ویقوّون روح التحدّی والصمود بحضورهم وما یحملون من العقائد والأفکار المعجبة. هذا هو العنصر الهام الذی له دور باهض فی تقویة معنویات المناضلین الذین یقفون فی وجه الظلم والاحتلال؛ إذ یزرع فی نفوسهم بذر الأمل إلى المستقبل، ویحثّهم على النضال والصمود. هذا ما یترک أثراً هاماً فی استمرار حرکة أسامة النضالیة، حیث یجعله محاولاً لأجل الناس والوطن ویسعى لتحقیق الحریة المفقودة؛ لأنّه یأمل بمستقبل البلد وبأن البلد لن یزول، وکذلک یؤمن بأهله الذین یؤمنون بالمستحیل، ویعتقد بأن إرادة الإنسان أقوى من المستحیل، فیناجی الوطنیة والقومیة من أعماق أفکاره: «هؤلاء الناس، بجهلهم، بـحزنهم، بخبزهم الموصوم بدمغة عبریة، ما زالوا أهلی» (خلیفة، 1999م، ص63). إضافة إلى ما سبق، نلاحظ أن سکان البلاد هم الذین یعطونها حیویة ونشاطاً بما یخلقون أجواء مختلفة؛ فمن الطبیعی أن یکون ترکهم البلادَ وما فیها من الأهل والأصدقاء یجعل أبناء الوطن ذابلین، میتین، وحیدین، ولامبالین بالوطن وما یحدث له من الوقائع، وبالتالی یجفّ الحس الوطنیّ والوطنیة فی أهل البلد، وهذا الألم هو الذی یعانی منه باسل حین یطّلع على أنّ سعدیة ترید أن تهجر الحارة بعد اشتراء أرض فی الجبل المشمس، وترید بناء بیتٍ والإسکان فیه، فنراه یقلق ویناجی فی نفسه: «ماذا لو هجرتْ سعدیة الحارة؟ الألوف یهجرون، وسعدیة واحدة من الألوف.. سعدیة معلم هامّ من معالم الحارة، ولایمکن أن تهجر سعدیة الحارة، لا یمکن» (خلیفة، 2008م، ص 232ــ233).
الوطن/ذکریات الطفولة قد یتبلور مفهوم الوطن فی ذکریات الماضی، خاصة ذکریات الطفولة والشباب التی تتعلّق بمسقط الرأس أو الوطن. وفی هذا المعنى یتداخل مفهوم الوطن بالحنین: حنین إلى الماضی واسترجاع الأیام الماضیة.والحنین کما تفسّره المعاجم اللغویة هو: «الشدیدُ من البُکاءِ والطَّرَب، وقیل: هو صوتُ الطَّرَب کان ذلک عن حزن أو فرح. والحنین: الشوق وتَوَقان النفس، والمعنیان متقاربان» (ابن منظور، مادة «حنن»). أما من الناحیة الاصطلاحیة، فمعناه: «الشوق وتَوَقان النفس مع الطرب والتنغیم، وهو یکشف عن مدى معاناة الإنسان فی دیار الغربة بعیداً عن وطنه. فالحنین یُرضی شعف النفس، ویُشبع حبّ الناس للأوطان» (الخلیلی، 2007م، ص 18). والحنین إلى الوطن ظاهرة إنسانیة عامة، لا یستطیع المرء التخلی عنها، مهما بلغ رقیُّه الحضاری، وتطوره المادی، وسموّه الروحی؛ لأن کل إنسان محب لبیئته و وطنه، وهو متمسک بهذا الوطن، یحن إلیه، ویدافع عنه، ویبذل فی سبیله کل غال ورخیص. وهذا الحب لم یکن مقتصراً على قوم دون آخرین، أو مجموعة من البشر دون أخرى، إنما کان عاماً مطلقاً ــ فیما نعلم ــ لم یخلُ منه أیّ أدب حیّ، فی تاریخ الفکر الإنسانی (حوَّر، 1989م، ص 181). فکثیراً ما تستعین الکاتبة بذکریات الطفولة والشباب لاستنهاض الحمم فی وجه العدو الغاصب. فتأتی بهذه الذکریات فی أسلوب رومانسی صادق له تأثیر فادح فی إیقاظ الحس الوطنی بین الشعب الفلسطینی. وهذا ما نراها کثیراً فی المقاطع الحواریة التی تجری بین أسامة و أبوشحادة (الفلاح القرویّ الذی ترک أحد أبنائه الوطن، وهاجر إلى إسرائیل بحثاً عن العمل) و عادل. حیثما یتوسّل أسامة إلى ذکریات مشترکة فیما بینهم: ..حتى مسعود [کلب المزرعة] تذکّرنی، فکیف تنسانی أنت یا أبوشحادة؟! لطالما حملتَنی على ظهرک وأنا طفل صغیر، وکم لعبت وعادل وشحادة خلف تلک الحظیرة تحت التینة الخرطمانیة. وکم لحقتنا بعصاک حین کنا نسلط خرطوم الماء على حظیرة البقر. أنسیتنی یا أبوشحادة؟» (المصدر نفسه، ص40) ویبذل قصارى جهده لیقنعه بأن الهجرة لیست هی الحل الوحید للخلاص من المشاکل التی أنتجتها الاحتلال، ویحذّره نسیانَ الأرض والوطن بالقول: « ـ وحّد الله یا اختیار، قلت لک نترک الأرض لمین؟ تأمله الشیخ وهو یضیق عینیه الضعیفتین وقال ببرود: ـ وهیه الأرض أرضنا؟ ـ أرض من إذن؟ ـ لصاحبها یا أفندی.. أنا یا سیدی أجیر، طول عمری کنت أجیر، لا لی أرض ولا ما یحزنون، وابنی کان أجیر ومازال. ومادامت الأرض مش أرضی ولا أرض شحادة نموت فیها لیش؟ لما متنا من الجوع ما حدش سأل عنا..» (خلیفة، 1999م، ص 42). وفی مقطع آخر من الروایة یمرّ أسامة بالمقهى، ویلاقی فیه شحادة الذی نسی البلد، وأصبحت تصرفاته ککبار الممثلین الأجانب؛ فیتأمل فی حرکاته ویتذکر ذکریاتهم فی الطفولة فی مزرعة الکرمی، فیسخر منه مفکّراً: أنَسیت الهیشة یا شحادة؟.. برطع یا سیدی وخلّی إسرائیل تخیل وتمیل. وأنت یا عادل انزل، انزل، واشرب أرجیلة على حساب شحادة الشخاخ. وجرن العلف من کان یبول فیه؟ بوِّل یا شحادة. بوِّل على العروبة والأرض والبلد مادام أمثال عادل یشربون الأرجیلة على حسابک (خلیفة، 1999م، ص79).
الوطن/الثقافة قد یتجلّى مفهوم الوطن فی الثقافة. والثقافة بمعناها الواسع هو: مجموع الانطباعات المکتسبة التی تنفعل بها شخصیة المرء من حیث هو فکر، وشعور، وتخیل، وکائن اجتماعی یتصرّف فی بیئته معیّنة، وزمن معین. ویستمرّ نفاذها إلیه من نشأته وعواملها، ومن الحیاة الخاصّة والعامّة، وفقاً لاستعداد مزاجی فیه. ... وأهم مقوّماتها: الفولکلور دیناً، وفناً، وتقالید وأحاسیس، وذهنیّة؛ واللغة مدوّنة ومحکیة، والنمط التربوی الذی تمّت به المقابسة... (کرم، 2004م، ص 112 و 113) . وقد تتداخل الأرض والذکریات الماضیة بالتراث الشعبی ــ کجزء من الثقافة ــ خاصّة فیما یتعلق بالمرأة الشعبیة؛ إذ هی أکثر تعلّقاً بماضیها وحنیناً إلیه. وهذا ما نلسمه بوضوح فی مشهد الحمام من عبّاد الشمس، حیث تنقل الکاتبة عبر شخصیة سعدیة صورة معبّرة عن حنین المرأة الفلسطینیة للماضی البهیج، من خلال استحضارها لبعض العادات الشعبیة الاحتفالیة التی کانت تمارسها النسوة فیما مضى، وکانت تلک العادات أقرب إلى أجواء الطقوس الاحتفالیة؛ حیث تعمُّ الفرحة والمودّة بین الناس (الشامی، 1998م، ص 260). فتقول سعدیة فی إحدى تداعیاتها: کانت للحمام أیامٌ ولیال. أین منها أیام قبل الاحتلال؟ کان الناس یؤمّونه من کل الطبقات والعائلات. وکانت السیدات المترفات یجعلن من الحمام مشهداً یذکر بقصص ألف لیلة ولیلة: عطور حنّاء، ومناشف مقصّبة یفوح منها المسک والطیب والبخور. زفّات عرائس یتأهّبن للیلة الدخلة، ونُفَساوات یحتفلن بموالید ذکور. نسوة یتسبّعن یوم الأربعین، ویقمن الاستعدادات للیلة الحمل الجدید(خلیفة، 2008م، ص 230). وهی مازالت تذکر تجاربها التی مرّت بها منذ أکثر من عشرین سنة بعد ولادتها لابنها البکر حمادة، ومازالت تتذکر ما اقترحت لها النسوة من النصائح عن الزنجبیل والبیض لاستحکام العضلات والحلبة لازدیاد الحلیب. ثمّ تشتدّ حزنها حین ترى وضعیة الحمام بعد الاحتلال: أما الآن، فعن جیوش الصراصیر التی تحتلّ حیطان الحمّام فحدِّث، وعن الرطوبة والعفونة وشتّى الآلاف فَاحکِ ولاتتحرّج. وتلک الأرائک، حیث کانت ترتاح النسوة المعطّرات بعد معرکة التدلیک، أصبحت أثراًً بعد عین. أکیاسٌ عفنة تسطّحت أرکانها، وانساب من داخلها القَشّ والتِّبن والبقّ... (المصدر نفسه، ص 232). وفی المشهد نفسه تتلاحم ذکریات الطفولة مع الثقافة الدینیة، حیث تتذکر سعدیة أیام طفولتها حینما أصیبت المدینة بالجفاف؛ فتذکر بأن الناس یمشون ویرتقون طرقات ترابیّة نحو الجبل، ویصلون إلى المزار. یجتمعون فی حلقة ضخمة حول قبر أحد الأولیاء ویدعون لرفع الجفاف والسوء؛ إذ یردّدون: «یا مغیثُ أغثنا وارفع عنّا السوء!». ویبکی الأطفال وأیدیهم الصغیرة ممدودة نحو السماء، ویبکی الرجال دموع التأثر والخشوع، ویقرع الناس بالطبول (خلیفة، 2008م، ص 236 و 237). هذه الثقافة التی یتعلق بها الإنسان الفلسطینی تجعله أن یتحمل ویلات الوطن المحتل من الفقر والجوع والظلم، ولایبتغی لبلدانه بدلاً. بل تشجّعه لیستعین بهذا الرصید الضخم کوسیلة لتقویة حبّ الوطن والأرض، وبثّ روح الوطنیة فی سائر أبناء الشعب. هذا الذی تطالعنا الکاتبة عند الجلسات الحمیمة التی تعقدها النساء الشعبیات فی حمام البلد؛ إذ یشترکن فی الطعام والرقص والهمّ والحزن والآلام، وینشدن الأهازیج الشجیّة التی تتضح بعبیر المقاومة الباسلة، وتمجید البطولة والتضحیة؛ فتزرع فی النفس بذور الأمل (الشامی، 1998م، ص 261). فتدوّی أصوات النساء فی فراغ حمام نابلس الکبیر: «...مرّوا علییّ وأنا بتحنّـا / بدّلوا الحنّـا بدمّه وبهمّه / صرت أنادی اللیل / والغربة والناس / وأحس الأیام وأحلم بضمّه» (خلیفة، 2008م، ص 240) .
الوحدة: لفظة «الوحدة» فی اللغة تعنی التوحّد و الانفراد (ابن منظور، مادة «وحد»)، و تستخدم فی المنظور الاجتماعی والسیاسی بمعنى الاتحاد و التلاحم، و تتخذ صفة القومیة وما شابهها (کاظمی جزستانی، 1387م، ص 52).
تجلیات الوحدة فی ثنائیة سحر خلیفة ــ الدعوة إلى التوحّد والتضامن مما لا شک فیه أن تحرر الوطن المحتلّ أمنیّة لن تتحقق مع وجود الخلافات الداخلیة والحزبیة، بل تتطلّب مساهمة جماهیر واسعة من الشعب، وتحتاج إلى التضامن والمشارکة والعمل الدؤوب. فلا موضع للتعجب إذ نرى أسامة یشکو من تفرّق الناس وشتات قلوبهم، بعدما یرجع إلى الوطن، ویتدقق فی أحوال الناس، ویرى أن إسرائیل خیّم على البلد، وحتى البضائع أصبحت إسرائیلیةً. فیحدّث نفسه و یشکو من الانفراد: ...وکیف یهدأ القلب الموجع! مراجل الغضب تغلی فی شتّى بقاع الأرض، وهذه الأرض تموت من شدة الصقیع. الأرض: جریمة نحن مرتکبوها؛ والشعب: خدعة مقلب شربناه. شربة تجرعناها، وحسبت علینا قضیة، وحسبت علینا ثورة. الید الواحدة لا تصفق. وأنا واحد. أنا واحد! (خلیفة، 1999م، ص24) . وهذا ما نلمسه من بین أقوال باسل بشکل ضمنى؛ حیث یستجوب أخاه عن کثرة عددهم تجاه القوّات الاحتلال، فهو یبدی عن تفائله لمستقبل البلد، وبأنهم سیکثرون ویکبرون والبلد سیکبر، وبأنّ: «الثورة لن تأتی من الصین... نصنعها نحن» (خلیفة، 2008م، ص 59). لا تنحصر الدعوة إلى التوحّد فی وجه الظلم فی أسامة وأمثاله من المناضلین فحسب، بل نسمع مثیل هذه الإیقاعات بین أصوات أطفال الحجارة الذین یخرجون من البیوت، ویتحدَّون الأعداء فی حالات منع التجوّل، ویصرخون أهم متطلباتهم المفقودة التی هی: الحریة، ویدعون الشعب إلى المشارکة الجمعیة والمحبة والوحدة بغیة الوصول إلى التحرر متضامناً: «الألیف الله أکبر/ البا باب الحریة/ والجیم جبهة شعبیة/ .. والمیم میم المحبة/ والواو وحدة عربیة» (المصدر نفسه، ص 88).
ــ الوحدة عملیاً تتحوّل الوحدة من الهتافات والدعوات إلى مرحلة العمل والممارسة والجبهة الشعبیة (فی الجزء الثانی من الثنائیة)؛ لأن الشعب یصل إلى الوعی العمیق بأنّ جذور المشاکل کلها هی الاحتلال. فیتکئ على نفسه، وعلى ما یحمل فی قلبه من الهمّ الوطنی، ویسهم فی الکفاح العملی لطرد المستعمِر من أرضه وأرض أجداده. ولا فرق فی ذلک بین الذکور والأناث. ــ وحدة الأولاد والفتیات تجاه الجنود الصهاینة تقدّم الکاتبة صوراً رائعة لوحدة الفتیات أمام قوّات الاحتلال فی غیر قلیل من لوحات عبّاد الشمس. فتطالعنا على سبیل المثال بنت أبی سالم التی ترشق فی المظاهرة حجر تفتح مفرق الضابط، فتلحقونها الضباط من شارع لشارع ومن زقاق لزقاق، ثم تمسکها الجندی، ولکنّها تفرّ من بین یدیه. وأخیراً یأخذونها فی الزقاق؛ فإذا بقیّة الفتیات تجیء، ویضربن الجندی بالمقالیع الأحجار (المصدر نفسه، ص 68ــ69). وفی مشهد آخر تصوّر لنا صورة حیّة لإحدى حالات منع التجول، وتصدّی الأطفال الصغار بها؛ کما تصوّر صورة رائعة من توحّد البنات والصبیان أمام جنود الصهاینة، وأنهم کیف یخرجون من البیت ــ على الرغم من صغر سنهم ــ ، ویقفون فی الزوایا المعتّمة کالفئران، ویتطلعون نحو الجنود. یتغامزون ویضحکون ویرددون الشتیمة بنغمات مختلفة. یمسک الجندی بصبیَّین من عنقیهما کزُغلولین مفتوحی الریش. یُرکبهما فی سیارة الدوریة بعد أن یُشبعهما صفعاً. والبنات یطبلن على عُلَب السمن الفارغة، والصبیان یهتفون: «ثورة ثورة حتى النصر. ثورة ثورة حتى النصر» (خلیفة، 2008م، ص 88). یرید هؤلاء الصغار استمرار طریق المناضلة المثقفة السجینة "لینا الصفدی" أخت المناضل "صالح" المعتقل فی سجون الاحتلال التی تنتمی إلى إحدى الخلایا الفدائیة، وتقوم بتوزیع المتفجرات. فیطوّقون الشارع، ویسحبونها من فراشها فی منتصف اللیل عقب عملیة أسامة التی استهدفت نسف باصات العمال(خلیفة، 1999م، ص 156). فـ "لینا" ومثیلاتها من النساء غیّرن المقولة المعروفة: «السجن للرجال» بسبب ما أثبتته من صلابة وبطولة، وتضحیة إزاء کل المحاولات التی تمارسه سلطات الاحتلال علیهن. فهذه الموقف البطولیة التی أبدتها المرأة تجاه قضیتها من الصمود والمقاومة والسجن والتعذیب، أعطتها موقعاً متمیزاً فی مقاومة الاحتلال، وجعلت أولئک المترددین من المثقفین الیساریین أمثال "عادل الکرمی" الذین یؤمنون بالحل المرحلیّ للقضیة الفلسطینیة، یشعرون بصغرهم أمام المرأة وتضحیاتها (الشامی، 1998م، ص 111). وفی الصفحات الأخیرة من عبّاد الشمس یتضامن أبناء الشعب کلهم، ویشتدّ التلاحم والتوحّد فیما بینهم، خاصّة بین الأولاد الذین یتصدّون جنود الصهاینة بأقل إمکانیاتهم التی هی الحجر والمقلاع المقلیعة. فنرى: بعضهم یلفّون الرؤوس بالحطط، وبعضهم یلبسون طواقی مصنوعة من جوارب مثقوبة من جهة العینین والفمّ. یتقدّم الأولاد دفعة واحدة، تتناثر الحارة فی کل اتجاه، مقالیع تصوَّب لأعلى؛ حیث یربض الجنود فوق أسطح البنایات. یتراجع الجنود، یهجمون. یتراجع الأولاد ویختفون من أفواه أزقّة المدینة القدیمة... یصرخ الأولاد: اضرب. زجاجة ملیئة بالنفط وسط الشارع. یتراجعون. یتجمعون. قنبلة غازیة تنفجر. شظایا. یعرج ولد، ینسحب. تنکفئ تَنَکة فوق قنبلة، فتحبس غازها (خلیفة، 2008م، ص 383ــ384). ــ وحدة النساء إنّ ما یلفت انتباهنا فی الثنائیة هو أنّ الاحتلال إلى جانب ما یفرض على الناس من المشاکل والصعوبات، یقوم بدور إیجابی فی تسریع حرکة الثورة والتحدّی فی وجه جبروت الاحتلال؛ إذ تکسر کثیراً من حواجز أقیمت بین الناس کعقبة من عقبات الاحتلال (فَلَرُبّ ضارّة نافعة) «ففی الأوقات العصبیة واللحظات الحاسمة والمواقف الجریئة تتلاشى الخلافات الصغیرة بین أبناء الجرح الواحد، وتتطهر القلوب، وتخلع النفوس ما علق بها من غبار البغضاء والکراهیة، لتُرتّل نشید التضامن والتعاون والألفة» (الشامی، 1998م، ص 106). وهذا ما نلمسه بوضوح بین سعدیة وجاراتها فی اللوحة الثانیة عشرة من عباّد الشمس؛ إذ تصوّر الکاتبةُ أمَّ تحسین (إحدى جارات سعدیة) وحالاتها أثناء حالة منع التجول؛ إذ ترى بأنّ الجندی یضرب "رشاد" (ابن سعدیة)، فتشفق قلبها على الابن، فتمدّ رأسها من الشباک وتصیح وتدعو على الجندی وعلى أولاده. فنراها تنسى ما یجری بینه وبین سعدیة من الکراهیة والبغضاء، بمشاهدة العدوّ الخارجی المشترک، مع أنّ أم تحسین کانت تحسد على سعدیة إثر انخراطها فی الحیاة العملیة بعد استشهاد زوجها، وتهدفها بأنواع السباب والأکاذیب، ولکن نراهما فی تلک اللحظة الجریئة تنسَیان الخلافات الداخلیة، وتتبادلان صحون الطعام إحداهما للأخرى، وتفکران فی الهدف المشترک. فتجمع الاثنتان أولادهما على أسطح البیوت، تمسک کل واحدة بطبلة، وتملأ الحارة بالزغارید والهتافات وأغان یردّدها الأولاد فی المظاهرات: «... آمنت بالشعب المضیّع والمکبّل، آمنت بالشعب المضیّع والمکبّل... وجعلت جرحی والدما، فی السهل والودیان جدول... وحملت رشّاشی، آهاهاهاها لتحمل بعدنا الأجیال منجل» (خلیفة، 2008م، ص 95). وفی اللوحة الرابعة والعشرین من الروایة نفسها تمتزج الوطنیة بالوحدة فی مشهد یحدث فی حمام نابلس؛ حیثما تدخل خضرةُ حمامَ البلد (وهی إحدى الشخصیات المنحرفة التی انغمست فی الرذیلة تحت وطأة الظروف الاجتماعیة، أو الاقتصادیة أو النفسیة الصعبة). فتجری بینها و بین النساء کثیر من الحوارات التی فی أثنائها تهجم خضرة على نابلس وأهلها قائلة: «إنتو یا أهل نابلس مدلّلین ونواعم، ووجوهکم لا وجوه جدعنة ولا مراجل. ویقولوا علیکم جبل النار؟ على إیش خیبتی علیکم؟ إحنا جبل النار، مش إنتو» (المصدر نفسه، ص 248). فتتحیر النسوة من أقوالها، وتتصدّاها أم فتحی للهجوم متذکرة بتاریخ نابلس العریق: عیب یا خضرة...! نابلس طول عمرها جبل النار. من أیام الإنکلیز ورجالنا یا موت قلبی فی الجبال مشرّدین، بین الصخر والشَّوک والصبر، والله أعلم بحالهم. ونسفوا دورنا وحبسوا رجالنا وشنقوهم وذوّقونا الأمَرَّین. وإذا کان الولد عندکم ببطح جمل، الولد عندنا ببطح عمارة شالوم. بتقف بالمقلیعة حجر یوصّله لتلّ أبیب (المصدر نفسه، ص 249). ثم تعید النسوة إلى وحدة الصف، فیرجع الهدوء إلى النفوس کلها إلّا نفس خضرة التی تستمر بإسائاته. فتتزاید شک النساء عنه وعن مهمته، فیمنعن من خروجها من الحمام إلا بعد أن تتجاوب على أسئلتهن، ولکنها لن تنطق وتستمر فی کَیل التهم والشتائم. فتزداد الشک بأنها جاسوسة. فلم تبق فی الحمام ید إلّا امتدّت لتضرب رأسها (خلیفة، 2008م، ص 252ــ256). تطالعنا اللوحة الأخیرة من الروایة نفسها وجهاً آخر من أوجه تضامن النساء الفلسطینیات والشعب الفلسطینی بأکمله، وذلک أثناء عرضها لردّات فعل الفلاحین، إثر مصادرة قوات الاحتلال لأراضیهم واستیلائهم علیها، بعد إبادة المحاصیل، وقطع المیاه، وتهجیر الأهل؛ إذ یأمر الحاکم العسکری کل ذَکَر من سن الثالثة عشرة أو ما فوق، بأن یذهب إلى ساحة المدرسة فی القریة. وهناک تکوّم الرجال صفوفاً مرصوصة على الأرض، والجنود یعملون فیهم ضرباً وتنکیلاً. یستفزّون هذا ویصفعون ذاک. وتظهر سعدیة بین الجموع؛ فإذا بها ترى (فی کل الوجوه وجه رشاد) (الشامی، 1998م، ص 106). فهنا یبلغ تضامن النساء الفلسطینیات إلى ذروتها؛ إذ یتوحّدن کلّهن ــ من البسیطة والمثقفة ــ مع سعدیة التی صودرت أرضها، وتبحث عن ابنها رشاد. فنرى "رفیف" الصحفیة المثقفة تبقى إلى جانب سعدیة تؤازرها وتهدّئها بأقوالها المؤلمة، وبأنّها لیست الأم الوحیدة فحسب، بل کل النساء أمّهات مثلها. فتتوحد النساء، وتصبح کل واحدة أُمّاً لـ "رشاد"؛ إذ «تصرخ سعدیة "ابنی". لحقت بها النسوة، کل واحدة تصرخ ابنی... وبدأت سعدیّة تضرب، والنسوة تضرب.حجارة، حصى، تراب، شظایا، زجاج، صراخ النسوة، ضرب وحجارة ومقالیع». (خلیفة، 2008م، ص 421). ــ وحدة السجین إن السجن هو امتداد لنضال الفلسطینی المهتمّ بالأرض والوطن، بل أرفع من ذلک، هو جزء من واجب وطنی یجعل على عاتق کل إنسان؛ وهذا ما یعتقد به باسل (خلیفة، 1999م، ص 125) الذی یجتاز مرحلة القول إلى العمل، حیث یشارک فی المظاهرات، ویردّد بعض الشعارات فی تشجیع الشعب إلى استمرار المقاومة؛ ومن جرّائه یُعتقل فی سجون الاحتلال. وکذلک "صالح الصفدی" المعتقل فی سجون الاحتلال بسبب انتمائه الثوری. بالنظر إلى هذه المعتقدات الوطنیة الراسخة فی الشعب الفلسطینی، من المفروض أن تشتدّ تجلیات الوحدة والتضامن فی المعتقلات، الأماکن التی تحفظ فی حدودها ذوی الإرادة القویة الذین یحملون الحس الوطنیّ الحاسم. فهم یحتفظون بالتضامن والتوحّد فیما بینهم، بحیث لایسمحون بأی أجنبی یهدّد تضامنهم. فمن الطبیعی أن لا یعتمدوا على زهدی بدو دخوله السجن،
ذلک العامل البسیط الذی اعتقل فی السجن بسبب ضرب العامل الیهودی "شلومو" بالمفکّ أثناء العراک الذی ینشب بین العمال فی المعمل. فهو یضربه بسبب إهانته علیه وعلى العاملین العرب وتسمیتهم بـ «مخربین عرافیم ملوخلاخیم»[4] (خلیفة، 1999م، ص 94). حینما یدخل زهدی غرفة رقم 23 فی السجن، یواجه بعدم اهتمام السجین إلیه، بینما لا یرحب به أحد، بل ینظر المعتقلون إلیه بتوجّس، وعلامات الاستفهام مرسومة على وجوهم. فهو یعانی من تجاهل بقیة المعتقلین فی الغرفة بسبب عمله فی اسرائیل، ویحسّ بالغربة؛ إذ یرى المعتقلون یجتمعون فی حلقات مستدیرة، ویمزحون ویضحکون، وهو یأکل عشاءه وحیداً ولا یعبأ به أحد (أیوب، 1996م، ص 55 و125). فیقترب منه ثلاثة من المعتقلین، ویسألونه سؤالات عدیدة، ویبحثون عن سبب اعتقاله وعلة ضربه لشلومو. یتکرّر هذه العملیة لیتأکدون منه ومن مهمّته فی السجن ومن أنه جاسوس أم لا. وفی النهایة یؤدی هذا التوحد والتضامن إلى التعرّف على الجاسوس الحقیقی فیما بینهم، حیثما «... یجرّون رجلاً ویحبسونه فی الزاویة... واستمرت عملیة الضرب أکثر من ربع ساعة. وتورّمت عینا الرجل، ونزل دمه، وتهاوى على الأرض، والأقدام ترکله فی کل مکان...» (خلیفة، 1999م، ص 112). وأخیراً یعترف الرجل بمهمّته کجاسوس. فیطیب المعتقلون خاطر زهدی، ویبدأ بالدراسة ویحصل على الإعدادیة فی السجن. فعلى ضوء ما تقدّم اتّضح أنّ حفظ التضامن والتوحّد هو الحل الوحید الذی تستلزمه الکاتبة للتحرر من قیود الاستعباد، و هو الذی یجعل الشعب یداً واحدة فی الشدائد، ویمکّنهم من السیطرة على عدوهم الغاصب. هذا ما یشیر إلیه محمد معتصم فی تأیید ما أشرنا إلیه قائلاً: «الحل لدى سحر خلیفة یکمن فی خلق وحدة متوازنة اجتماعیاً، والابتعاد عن السجالات السیاسیة الخطابیة، والانتقال إلى الفعل البنّاء» (1991م، ص 5). بالنظر إلى ما عرضت الکاتبة أثناء الثنائیة من الأحداث والوقائع، یمکن القول ــ فی رؤیة شمولیة ــ إن واقع الثنائیة لا یختلف کثیراً عن واقع الحیاة الاجتماعیة الیومیة؛ لأن الکاتبة تنحاز انحیازاً تاماً لصالح الواقع، وتُطوّع الفن الروائی لخدمة التسجیلیة الوثائقیة، وتحضر الوثائقیة فی أعمالها حضوراً مدهشاً خاصّة فی روایة الصبّار إلى أن یمکن اعتبار الخطاب الروائی فیه وثیقة تاریخیة تصوّر الواقع النضالی لأبناء الأرض المحتلة بدقة العدسة السینمائیة، دون الإساءة لهذا الواقع وعرضه بواقعیة على شکل أسطورة (حسین، 1997م، ص 53 و57).
نتائج البحث 1ــ الوطن فی رأی الکاتبة لیس قطعة أرضٍ یعیش علیها الإنسان فحسب، بل یُعرَّف بالأهل والأحباب الذین یعیشون علیها؛ أی: هو الأرض، والناس الذین یلتصقون به. وأبعد من ذلک یتجلّى فی ذکریات الطفولة والشباب والحنین إلیه، وکذلک الثقافة التی نموا علیها؛ 2ــ یمکن القول بإنّ الکاتبة تسعى من خلال عرض مظاهر الوطن فی أثناء الروایة إثبات أن هناک فارق کبیر بین الوطن الموجود على مدار السنین، ووطن یُختلَق فی لحظة، بفعل الذکریات والأساطیر؛ الأمر الذی سعى الصهاینة لتحقیقه باحتلال أرض فلسطین التاریخیة والدینیة؛ 3ــ یمکننا من خلال نظرة متأملة إلى نصّ الثنائیة أن نستنتج بأنّ الوحدة فی رأی الکاتبة هی الحلّ الوحید للخلاص من جمیع المشاکل التی أنتجها الاحتلال. کما تؤکد الأدیبة بأنه لا یجدر بالشعب الفلسطینی أن یقف عند حدود الأسى والحزن وذرف الدموع وصبّ اللعنات على الأعداء، بل تدعوه إلى التمسک بالتوحد والتضامن الجماعی إزاء الأعداء؛ 4ــ من أهمّ العوامل المؤثرة فی تحریر الوطن فی رأی الکاتبة الأمل إلى المستقبل، وترک الیأس والحزن والإحباط الهالک. ثمّ استنهاض الحس الوطنیّ الذابل وتقویته، والتضحیة لأجل الوطن باجتیاز الخلافات الداخلیة، والتمسک بالاتّحاد والتکاتف، وأخیراً الاتّکاء على قدرة الإرادة ومشیئة الله #؛ 5ــ للکاتبة رؤیة تفاؤلیة للقضیة الفلسطینیة ومستقبل الوطن المحتلّ، وهذه هی التی وجدناها من خلال تنبّؤات الکاتبة فی حیّز غیر قلیل من الثنائیة التی تجری على لسان شخصیاتها الروائیة المختلفة؛ إذ ترجو زوال الاحتلال وتحریر الوطن من أیدی الظالمین، واسترجاعه إلى أهله اعتماداً على التوحّد والتضامن.
| ||
| مراجع | ||
|
المصادر والمراجع µ القرآن الکریم 1ــ ابن منظور، محمد بن مکرّم. (1988م): لسان العرب. (ط2). بیروت: دار إحیاء التراث العربی. 2ــ أبو بشیر، بسام. (2007م). «جمالیات المکان فی روایة باب الساحة لسحر خلیفة». مجلة الجامعة الإسلامیة (سلسلة الدراسات الإنسانیة)، المجلد الخامس عشر. العدد الثانی. غزّة: جامعة الأقصى. 3ــ إسماعیل، عزالدّین. (1966م). الشعر العربی المعاصر قضایاه وظواهره الفنیة والمعنویة. بیروت، لبنان: دارالثقافة. 4ــ أیوب، محمد. (1996م). الشخصیة فی الروایة الفلسطینیة فی الضفة الغربیة وقطاع غزة. 1967ــ1993، رسالة الماجستیر فی النقد والأدب الفلسطینی الحدیث. 5ــ الجبوری، یحیى وهیب. (2008م.). الحنین والغربة فی شعر العربی (الحنین إلى الأوطان). (ط2). عمان: دار مجدلاوی. 6ــ الجیّوسی، سلمى الخضراء. (1997م). موسوعة الأدب الفلسطینی المعاصر. (ج2). بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر. 7ــ حسین، سلیمان. (1997م). الطریق إلى النصّ مقالات فی الروایة العربیة، دمشق: اتحاد الکتّاب العرب. 8ــ حوَّر، محمد ابراهیم (1989م). الحنین إلى الوطن فی الأدب العربی حتى نهایة العصر الأموی، (ط2). الکویت ودوبی: دار القلم. 9ــ خلیفة، سحر. (1999م). الصبّار. (ط2). بیروت: دار الآداب. 10ــ ــــــــــــــــــــــ. (2008م). عبّاد الشمس. (ط2). بیروت: دار الآداب. 11ــ الخلیلی، مها روحی إبراهیم. (2007م). الحنین والغربة فی الشعرالأندلسی ،عصرسیادة غرناطة:635-897 هـ، رسالة الماجستیر فی اللغة العربیة: جامعة نجاح الوطنیة، فلسطین. 12ــ الشامی، حسان رشاد. (1998م). المرأة فی الروایة الفلسطینیة (1965ــ 1985م). دمشق: منشورات اتحاد الکتّاب العرب. 13ــ شعبان، بثینة. (1999م). 100عام من الروایة النسائیة العربیة، (ط2). بیروت: دارالآداب. 14ــ الصالح، نضال. (2004م). نشید الزیتون، قضیة الأرض فی الروایة العربیة الفلسطینیة. دمشق: منشورات اتحاد الکتّاب العرب. 15ــ العیلة، زکی. (2002م).المرأة فی الروایة الفلسطینیة، رسالة الماجستیر أدب ونقد، القاهرة: جامعة عین شمس. 16ــ غرکان، رحمن. (2010م). المنهج التکوینی من الرؤیة إلى الإجراء. (ط1). بیروت: مؤسسة الانتشار العربی. 17ــ کاظمی جزستانی،اعظم. (1387هـ.ش). الوطنیة والوحدة فی شعر محمود درویش. (رسالة الماجستیر فی الأدب العربی): جامعة إصفهان. 18ــ کرم، أنطون غطّاس. (2004م). فی الأدب العربی الحدیث والمعاصر، بیروت، لبنان: دار النهار للنشر. 19. محمد حسین، محمد. (1984م). الاتجاهات الوطنیة فی الأدب المعاصر. (ج1). (ط7). بیروت: مؤسسة الرسالة. 20. معتصم، محمد. (1991م). الخطاب الروائی والقضایا الکبرى (النزعة الإنسانیة فی أعمال سحر خلیفة)، اتحاد کتّاب الإنترنیت العرب. 21. وهبة، مجدی و المهندس کامل. (1984). معجم المصطلحات الأدبیة فی اللغة والأدب. (ط2). بیروت: مکتبة لبنان. 22. یعقوب، إمیل وبسام برکة، ومی شیخانی. (1987م). قاموس المصطلحات اللغویة و الأدبیة عربی ـ إنکلیزی ـ فرنسی. بیروت: دار العلم للملایین.
المواقع الإنترنتیة: 23. آل مبارک، عبدالله بن ناجی: قراءة فی مفهوم الانتماء الوطنی، 2011م. http://www.al-islam.com/Content. aspx?pageid=1210&contentid=952 24. الأسطة، عادل: الدراسات الألمانیة حول الأدب الفلسطینی www.najah.edu/file/Essays/arabic/Adel%20Usta%20Essays/114.doc 25.أسماء المرشحین لنیل جائزة البوکر لسنة 2010م. 26. جابر، عنایة: سحر خلیفة: أدبی واقعی من الناس وإلى الناس، 2010م. http://www.dalilmag.net/?main=&part=1 27. الروائیة سحر خلیفة ترفض تقاسم جائزة سیمون دبوفوار مع کاتبة إسرائیلیة، 2010م http://www.albwady.com/vb/showthread.php?t=6024 28. الفلسطینیة سحر خلیفة تحوز جائزة نجیب محفوظ، 2010م. www.almotamar.net/news/37857.htm 29. کریم، عالیة: سحر خلیفة صوت قوی وحضور ملموس،2010م. http://www.maakom.com 30. لحرش، نُوارة: الروائیة العربیة الکبیرة سحر خلیفة، 2009م. http: www.shathaaya.com/go/index.php?uid=61 31. محیسن، تیسیر: إسهام المجتمع المدنی فی تفعیل دور التنوع الثقافی فی التنمیة المستدامة. | ||
|
آمار تعداد مشاهده مقاله: 1,855 تعداد دریافت فایل اصل مقاله: 1,801 |
||